بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 تموز 2025 06:13م لبنان والضياع

حجم الخط

لبنان يواجه تحديات قاسية ومعقدة، تجعلنا نشعر أن ما نعيشه يتجاوز قدرتنا على الفهم، وأننا في قلب عاصفة بلا بداية واضحة ولا نهاية مرتقبة، وكأننا في حالة انفصال عن الواقع بين التهويل والتأويل، ولا أحد يستطيع أن يجزم من أين بدأ ولا متى وكيف سينتهي هذا الضياع.

 تجربة الربيع العربي كشفت عجز النخب عن التوقع والمتابعة وهشاشة الأنظمة والمفاهيم السائدة، والربيع العربي جاء من خارج التقديرات، وانتهى إلى ما لم يكن في الحسبان، ولم يتوقع احد حدوثه او نهايته، وما حدث آنذاك يشبه ما يجري الآن، تراكم في التحليلات وانعدام في الفهم والتوقعات.

 لبنان مرة جديدة في عين العاصفة، بلد صغير تتقاطع عبره القوى الإقليمية والدولية، ويستخدم منصة لبث الاوهام وساحة للنزاعات، ولبنان منذ الاعلان عن دولته كان مرآة صغيرة لحروب اقليمية وعالمية ساخنة وباردة، والتي كانت تنتهي بانهزام المنتصرين وانتصار المهزومين، وسقوط خرائط وتوليد خرائط.

 الضياع في لبنان أصبح من البديهيات، ضياع الحرب الاهلية والاحتلالات، وضياع الاغتيالات والوصايات، وضياع الاستثمارات والودائع، وضياع الكفاءات والمؤسسات في الفساد، وضياع الدولة المعلقة بين الطوائف والمصالح، وضياع الوعي العام الذي تشكل على تقديم الاستثناء على القاعدة، والتأقلم مع الاوهام والانهيارات، والعيش في حالة من الإنكار والادعاء والتهيؤات .

           لبنان الاعلام يشهد ظهور منصات وتغريدات تنافس في تأثيرها الصحف والمحطات والاذاعات، وتنشر ما تشاء وتخلق سرديات بديلة، ولم تعد المؤسسات الاعلامية تحتكر المعلومات، وأصبح المواطن عنصر فاعل ومراقب ومؤثر، والذكاء الاصطناعي ابتكر هامش الحريات الفردية الافتراضية في المعرفة والتأثير بعيدا عن الاستبداد الطائفي مانع الانصهار في هوية وطنية جامعة.

إن التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه اجيالنا الصاعدة في مرحلة السؤال عن معنى الدولة، ومعنى العيش المشترك، ومعنى المواطن وحقوق الإنسان، تستدعي اعادة الاعتبارات الى علم السؤال في البيوت والمدارس والجامعات والمجالس والنقابات والإعلام، لأن من لا يسأل لن يعرف، ومن لا يعرف سيأخذ لبنان الى الضياع من جديد.