بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 تموز 2025 12:15ص مصالحة من أجل الترميم

حجم الخط
من أجْل أن يرمم السودان بنو أطيافه العسكرية والمدنية التي ألحقت به صراعاتها من التدمير ما لم يحدُث في وطن آخر وإن كان لبنان عاش ثلاث سنوات من الإحتراب الشبيه بعض الشيء بالذي عايشناه وما زلنا نرصد مآسيه على الناس في السودان... من أجْل الترميم الذي لا خيار غيره سوى التدمير وتركيم الآلام وحالات التشرد والنزوح والمجاعة فضلاً عما قيل عن إرتكابات غير أخلاقية وعن مقابر جماعية لا تليق بشعب تعنيه كرامته، لا بد من مصالحة عسكرية – عسكرية وعسكرية – مدنية، كما لا بد من المحاسبة كل من الطرفيْن لذاته وذلك بإستحضار النصح الرسولي «يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلتْه بينكم محرَّماً فلا تَظالموا» و «لا يحل لرجل أن يروِّع مسلماً» وتذكير من أساء وظلم عباد الله الصالحين الصابرين على الضيم في معظم مديريات السودان بتراث وطن عروبي بدءاً بالعاصمة المثلثة التي كانت قمة القمم العربية (سبتمبر/ أيلول 1967 المستضافة فيها بمثابة الرافعة لأحوال أصابت بعض دول الأمة في كبرياء قادتها بندبة ما لبثت قمة الخرطوم تلك أن خففت آلامها وعلى هدْي النصح الرسولي «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم».
عند إنتهاء نظام الرئيس عمر البشير المستضاف في أحد بيوت الضيافة إحتراماً من رفاق الأسلحة الحاليين لرفيق أمضى في الترؤس أكثر مما هو قابل لإحتماله من الرأي العام السوداني، تزايدت الآمال ببدء عهد تَشاركي عسكري – مدني وذلك لأن كفتيْ حراك ميزان إسقاط النظام كانتا متساويتيْن. من دون الدور العسكري تتفاقم الإحتجاجات وتتطور إلى إحترابات صغيرة وهذا حدث، وبالمشاركة المدنية – العسكرية ربما تستقيم الأمور.
وحيث أن النوايا كانت متناقضة فإن الفوضى إنسلت إلى المشهد السوداني وبدأ ما علَّق عليه الشعب الآمال ثم وبما يشبه غير تلك الأقوال التي ينطق بها هذا الطرف العسكري وتلك الأطراف المدنية بدأ منسوب الغرق في الفوضى يتزايد ثم لا يحدُث تجاوب مع المساعي التي لم يسبق إن كان بذْلها من أجْل تهدئة الحال في السودان على النحو الذي حدث، مسعى تليه مساع دولية وعربية، كان المسعى السعودي هو البادئ كما هو المستمر. بدأت المساعي إثر فك الإرتباط العسكري – المدني يوم الإثنين 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 وساد الإعتقاد بأن جماعة الجيش لا بد ستعيد النظر وتتيح المجال أمام المشاركة المدنية ووقْف الإعتقالات التي شملت رموزاً سياسية بدءاً برئيس الحكومة عبدالله حمدوك. لكن المؤسسة العسكرية تصرفت على نحو ما درجت عليه طقوس الإنقلابات العسكرية على الرئاسات والحكومات المدنية، ثم حدَث ما سبق أن جرى في سوريا في الخمسينات وفي غيرها لاحقاً في دول أُخرى أن الزعيم العسكري الذي إنقلب على الرئيس المدني سرعان ما ووجه بزعيم عسكري آخر كان شريكاً له في عمليته الإنقلابية ثم ما لبث أن إنقلب على شريكه. وهنا دخل السودان الوطن في شبكة عنكبوت عسكرية من الصعب فك خيوطها ولم يعد الصوت المدني عالياً فقد خفُت إلى درجة أن النسيج المدني السوداني لم يعد على نحو المألوف عنه، ربما رضوخاً للأمر الواقع وربما أملاً من مسعى عربي – دولي يضع الأمور في المكان الأكثر صوابية وسلامة.
وبدل المسعى الفاعل المأمول بدأت المنظمات الصحية العالمية تنشر تقارير عما يتسبب به الحوار القتالي بين القيادة العسكرية للدولة وبين مَن كان شريكاً في تركيبة الحكم الأُولى التي بدأت مع إسقاط نظام الرئيس البشير وإعتقاله مع سائر رموز حُكمه الذي حاول الإصطفاف مع إيران ولم تأخذ المحاولة مداها، وحاول الإتكال على روسيا بالموافقة على إنشاء قاعدة عسكرية بحرية لها على شاطئ مياه البحر الأحمر ولكن الأمور لم تصل إلى خواتيمها المأمول منها.
وهذه التقارير الصحية الدولية كانت ذات أرقام تثير الشفقة والهلع، فضلاً عن أن ما تبثه الفضائيات العربية والدولية عن الأحوال الصحية والتهجير والحاجة إلى الدواء والغذاء كانت تؤكد هذه الأرقام وتعكس الحال السودانية الشبيهة بعض الشيء بالأحوال المستمرة في غزة وفي مناطق من لبنان وسوريا من دون رادع للعدوان الإسرائيلي.
رغم تزايد حدة الوضع الصحي وتأثيراته على الأطفال والنساء بشكل خاص، فإن لا إصغاء للمناشدات الإنسانية الدولية كي يتوقف الإقتتال وإرفاق هذه المناشدات بأرقام دولية  من بينها أن 85 في المئة من المستشفيات باتت لا تعمل بسبب الهجمات من جانب اللذيْن كانا رفيقيْ السلاح ثم تحول كل منهما إلى خصم للآخر ويتشارك الإثنان في إلحاق الأذى بالإنسان والبنيان في وطنهما السودان. وإلى ذلك حول الوضع الإنساني هنالك حوالى ثلاثين مليوناً من الشعب السوداني باتوا في حاجة إلى مساعدة. وتفادياً لإيراد المزيد من الأرقام تستوقفنا عبارة مع دخول الحرب سنتها الثالثة لوكيلة الأمين العام للأمم المتحدة روز ماري ديكارلو التي قالت في تصريح حول الجنراليْن قطبيْ الحرب التي من المأمول وضع نهاية لها في ضوء بداية حسم من جانب المؤسسة العسكرية وتحرير الخرطوم قصراً ومراكز من مسيطرين عليها «إن الصراع بين الجنرال عبدالفتاح البرهان والجنرال محمد أحمد دقلو على السلطة اشعلت أزمة ذات أبعاد أسطورية ودفعت البلاد في إتجاه مجاعة تهدد ربع مليون شصخص يحتاجون إلى المساعدة المنقذة للحياة بعد إرغام أكثر من بضعة ملايين على الفرار من منازلهم. كما أن تدفق الأسلحة غير قانوني وغير أخلاقي ويجب أن يتوقف...».
 ليس التشخيص الأممي المشار إليه هو كل ما قيل أسفاً أو تنبيهاً أو تخديراً وعلى مستويات رموز فاعلة من أهل القرار العربي والدولي. فقد كانت هنالك المساعي الدولية إلى جانب مسعى كل من المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والجزائر ودول الجوار الأفريقي والمنظمات الأفريقية عموماً. وإفترضنا بعد المسعى الأميركي اللافت من جانب إدارة الرئيس السابق جو بايدن والتلويح في ضوء عدم وقف الصراع وإستعادة الدور المدني الحكومي في شخص عبدالله حمدوك أو مَن يتم إختياره في ضوء بيانات ومطالب حزبية رئيساً للحكومة، بإستعمال أقسى الإجراءات الإقتصادية والمالية ومنها ما يتعلق بالديون العالق تسديدها والمساعدات القابلة للتوقف أن الرسالة ستؤخذ في السودان على محمل التنبه وبذلك يصار إلى حكم عسكري – مدني على قاعدة التفهم والتفاهم. لكن ذلك لم يحدُث. ولم يبْق من المأمول حدوثه سوى تفعيل النصح السعودي الذي كان آخر ما سمعه الجنرال البرهان وجاء في سلسلة من النصائح والتمنيات من جانب ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان بن عبدالعزيز لكل من الرئيس اللبناني جوزف عون والرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام. وهذه النصائح تحمل في طياتها الأخذ بمصالحة الذات لإصلاح الحال وصولاً إلى مصالحة تستهدف الترميم في كل من الدول الثلاث لبنان وسوريا والسودان بأمل أن يكون الترميم لقطاع غزة بعد أن يكف المعتدي عن عدوانه. وما يناله معتد من رب العالمين هو الجزاء العادل.