بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 آب 2025 05:33م مواطن مؤقت في وطن مؤقت

حجم الخط

كتب احمد الغز في "اللواء"

 

 المواطنة المؤقتة في لبنان مسألة شائعة، لأسباب طائفية وقومية وعرقية ومناطقية وداخلية وخارجية، وقد تكون هناك اعتبارات أخرى، بعضها معلن وبعضها مكتوم أو قيد التكوين، مما يعقد تحقيق ما جاء في مقدمة الدستور (ان لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه)، وان لبنان حتى الان هو محطة انتقال من وهم إلى وهم، ويعاني من أزمة المواطنة المؤقتة والوطن المؤقت، وهي عناصر تجعل من لبنان وطن غير نهائي، لا يقوى على بناء دولته ولا مستقبله.

القضايا اللبنانية عصيّة على الفهم والمتابعة، من يقرأ الصحف صباحا، يتهيّأ له أن عدد سكان لبنان يفوق المليار مواطن وأنهم يتحدثون مئات اللغات، حيث المواطن اللبناني المؤقت، يتنقل بين القضايا العالمية بثقة مدهشة، وحين يأتي المساء تبدأ نشرات الأخبار تُبث بنبرات عالية وقاطعة، وكأن اللبنانيين يُديرون نصف الكرة الأرضية في الصباح والنصف الآخر في المساء.

            المواطنة المؤقتة في لبنان جعلت حتى أبسط العلاقات الإنسانية مؤقتة كالأصدقاء، الرفاق، الجيران، الزملاء، وحتى العلاقات والمشاعر العاطفية اصبحت مؤقتة، الحبيبة، والحبيب، والمودة، والحنين، كلها حالات مؤقتة، وكذلك البنية التحتية والعمران والأسواق والفنادق والطرقات هي ايضا مؤقته، فهي تُبنى وتُدمّر وتُفرغ ويعاد بناؤها مما يجعل من الاستقرار عملية مؤقتة بين دمار ودمار. 

الوصايات مؤقتة، والولاءات مؤقتة، والأشقاء أعداء، والأعداء أشقاء، وهذه الامور ليست فرضيات أو اوهام، بل هي تجارب عشناها مرات مرات ودفعنا ثمنها مرات ومرات، حين نتوهّم أن الآخرين يخافون على لبنان أكثر من أبناء لبنان، والتاريخ حافل بشواهد مريرة، دفعنا أثمانها من دماء اجيالنا ومستقبلنا.

كتابة التاريخ في وطن مؤقت مهمة مستحيلة، ولا يمكن أن نكتب تاريخ تحالفات وصداقات مؤقتة لا نعرف متى تبدأ ولا كيف تنتهي وكيف نوثق أحداثا لا نعرف أسبابها ولا نتائجها وإنّ كل ما نعرفه هو أنّ فلان تخلى عن فلان وتلك المجموعة انقسمت على نفسها، وهذا وذاك الزعيم انتقل من محور إلى آخر، وأما القادة الوطنيون الحقيقيون الكبار فلم يسلموا من الاغتيال، وغالبا ما كان قاتلهم مواطن مؤقت في وطن مؤقت.