يمرُّ لبنان منذ عقود بأزمات متتابعة وبأشكال مختلفة تنعكس سلبا على السياسة والاقتصاد. لا شك أن الأسباب الاقليمية كبيرة ومهمة، الا أن الأسباب الداخلية لا تقل عنها سلبية وتأثيرا. نحتاج في لبنان الى دولة مركزية قوية عادلة والى تخفيف كبير للفساد الذي ينعكس سلبا على كل شيء. بعد عقود من الأزمات وانفرشظاجات مؤقتة، ما زلنا في بداية الطريق لكن الأمل يبقى كبيرا في بناء دولة تحترم كل قوانينها ويؤدي فيها السياسيون والاداريون المهمات المطلوبة بأعلى درجات النزاهة والانتاجية. بالرغم من أن أسباب الأزمات اللبنانية معروفة بأكثريتها، الا أن اللبنانيين لم يستفيدوا بعد من الدروس البديهية لبناء مستقبل أفضل لأولادهم.
بعد 17 سنة على «الركود الكبير»، لا زال الخلاف الأكاديمي والمهني مستمرا حول الأسباب وطرق المعالجة. اذا كنا نختلف كمراقبين على الأسباب، فكيف يمكن أن نتفق على العلاجات والحلول؟ من هم المسؤولون عن كارثة 2008 المالية وعن ما تبعها من كوارث أخرى دولية واقليمية؟ هل كان يجب أن تحصل المحاسبة بجدية أكثر منعا للتكرار؟ للنجاحات مئات الأباء والأمهات، أما السقوط فيبقى دائما يتيما اذ يتهرب الجميع من المسؤولية. الهدف ليس فقط تفسير ما حدث وانما أخذ الدروس لتجنب التكرار.
يخشى دائما بعد الأزمات في كل الدول من أن تطبق السلطات الرسمية حلولا قاسية تعرقل النمو المستقبلي وتضر بركائز الاقتصاد. لذا دراسة الحلول مهمة كي يكون العلاج بمستوى الأزمة. هل نقوم في لبنان مثلا باصدار القوانين والقرارات والتعيينات التي تناسب المرحلة الحالية ولا تعيدنا الى الوراء. هنالك مؤشرات مهمة تدل على ما يجري، منها التحقيقات فيما يخص جريمة المرفأ والتي تبقى مجهولة بأسبابها والمسؤولين عنها.
الجميع متفق على أن أزمة 2008 بدأت في القطاع العقاري الأميركي وانتشرت وطنيا ودوليا بفضل حجم الاقتصاد الأميركي وعمق المشكلة. شكل الركود الكبير خضة في الاقتصاد الدولي الذي كان ينمو سنويا بمعدل 3.5% خلال العقد الذي سبق وتراجع كثيرا فيما بعد. هذه نقلة سلبية أطاحت بالنمو والتفاؤل وجعلت الجميع يدرس ويفتش عن الأسباب الحقيقية للأزمة التي لم يكن أحد يتوقع حصولها بمن فيهم أهم الاقتصاديين العالميين.
هل تعود أسباب السقوط المالي العالمي الى عوامل السوق العادية أي الى جنون العرض والطلب أم هنالك دوافع لجعل العرض والطلب يتحركان بشكل غير طبيعي؟ هل تسبب الرأسمالية الأزمات بسبب قواعد عملها وهل هنالك أنظمة عامة أفضل؟ الأنظمة الأخرى كالشيوعية والاشتراكية لم تعط أيضا نتائج جيدة والخلاف يدور اليوم عمليا حول أي نظام رأسمالي نطبق؟ هنالك فوارق مهمة بين الأنظمة الأميركية والأوروبية والاسكندنافية لا يمكن تجاهلها وبالتالي الخيارات الرأسمالية واسعة.
بعد أزمة 2008 تغير التفكير وأصبح التركيز على دور التكنولوجيا والابداع والعلوم في خلق النمو وتطويره، وهذا مهم. الربح عبر الأسواق المالية أسهل وأسرع وأخطر، لكنه غير دائم. الربح عبر العلوم والتكنولوجيا أصعب وشاق ومتواضع، لكنه دائم أو يطول أكثر لتأثيره على مصادر النمو. عندما حصلت الأزمات وغاب النمو وارتفعت البطالة، ماذا فعلت الحكومات؟ زادت الانفاق العام لمواجهة الخلل في السوق ولتجنب حصول كارثة كما في 1929. ماذا كانت النتيجة؟ ارتفاع كبير في عجز الموازنات وفي الدين العام للتقليل من الخسائر الاقتصادية ومن الغضب الشعبي. بعده ولمعالجة الخلل المالي، قامت الحكومات بتطبيق سياسات تقشفية أغضبت الجمهور وسلبت بعض الحقوق وسببت الفوضى.
واقعاً تهدف كل الحكومات الى تحقيق النمو القوي مهما كانت التكلفة. المهم تحقيق الربح دون النظر الى أوضاع الضحايا من فقراء وغيرهم. نتج عن هذا الجشع خسائر كبرى وأمراض حقيقية تكدست لتضع المجتمعات في خطر. ساد التفكير أن الأسواق المالية تنتج النمو الاقتصادي وبالتالي اخترعت كل الأدوات التي تحقق الربح السريع المرتكز على مخاطر كبرى. قال الاقتصادي «مينسكي» أن الأسواق المالية تتعرض دائما للمضاربات الدورية التي تسبب في آخر المطاف أزمات كبيرة. قال أيضا أن النقطة المفصلية هي عندما تخف السيولة في السوق ويبدأ بيع الأصول وبالتالي تتجه الأسعار نزولا نحو الكارثة وهذا ما حصل مرارا.
ما هي العبر التي يمكن اتخاذها مما حصل وهل تمت المعالجة بشكل يجعلنا متأكدين من أن التكرار مستحيل اعتمادا على كل التقدم في العلوم الاقتصادية؟ لا شك أن العلوم تطورت وتقدمت، الا أن الاطمئنان الكلي مستحيل. في الاقتصاد هنالك نظريات متعددة يمكن أن تصح في ظروف معينة وتخطئ في ظروف أخرى، منها نظريات «الأسواق الفاعلة» أو النظريات التي تربط الاقتصاد بعلم النفس أو الأعصاب أو غيرها. لا يمكن وصف أي من هذه النظريات بالخاطئة دائما أو بالصحيحة دائما.
هنالك دور كبير للاعلام المتخصص عبر الصحف والاذاعات وغيرهما يمكن أن يكون ايجابيا أو العكس. في العديد من الأحيان كان الدور سلبيا أي شجع لأسباب غير بريئة المستثمرين والمواطنين العاديين على التهور. من يضبط هذا الاعلام المتخصص وغير البريء؟ هنالك دور كبير للسلطات الرسمية في تنبيه المواطن الى المخاطر وفي تطبيق القوانين على المخلين بقواعد السلامة. هدف العقوبات ليس فقط محاسبة الماضي وانما خاصة زيادة سلامة المستقبل. تكمن المشكلة أيضا في أن مؤسسات الرقابة تتأثر أحيانا بالسلطات السياسية، فتخفف من صرامتها لارضاء السياسيين وهذا سيِّىء جدا. المطلوب اعطاؤها الحصانة الكافية لمواجهة السياسيين تماما كما يحصل في أميركا بين المصرف المركزي و«ترامب» حيث يريد «ترامب» اقالة «باول» لكن القوانين والاسقلالية القانونية الممنوحة للمصرف المركزي منعته من تحقيق ذلك. استقلالية المصرف المركزي الأميركي هي نموذج لما يجب أن تكون عليه القوانين المتخصصة، وفي لبنان نفتخر أننا مازلنا نحترم هذه الاستقلالية لمصلحتنا جميعا.