بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 آذار 2026 12:30ص هل فَقَد لبنان ثقة عواصم القرار؟

حجم الخط
إذا تأكدت المعلومات المسرّبة عن عدم إقتناع واشنطن بجدية مبادرة رئيس الجمهورية حول التفاوض المباشر مع الجانب الإسرائيلي، بحجة عدم قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ قراراتها بإنهاء ملف حزب الله وإستعادة قرار الحرب والسلم، وإذا صحّت الرسالة السلبية التي نقلها السفير الأميركي ميشال عيسى للرئيس جوزاف عون أمس، بصدد هذا الموضوع، يكون لبنان قد دخل دوامة جديدة أكثر تعقيداً من التصعيد والتأزم. 
لقد كان البلد خلال الأشهر الماضية يقف على عتبة فرصة نادرة لإعادة ترميم علاقاته مع الخارج، واستعادة جزء من الثقة التي فقدها على مدى سنوات طويلة، حيث منحت عواصم القرار الغربية والعربية، وفي مقدمتها واشنطن والرياض، الدولة اللبنانية مهلة غير معلنة، لكنها واضحة المعالم، تقوم على اختبار قدرتها على تنفيذ القرار الذي يشكل المدخل الأساسي لأي دعم سياسي أو اقتصادي: حصرية السلاح بيد الدولة، واستعادة المؤسسات الدستورية لقرار الحرب والسلم.
غير أن هذه الفرصة بدت وكأنها تتبدد تدريجياً مع استمرار التردد في اتخاذ الخطوات العملية المطلوبة. فالتعهدات السياسية لم تُترجم حتى الآن بإجراءات واضحة تعيد تثبيت سلطة الدولة على كامل قرارها السيادي، الأمر الذي أدى إلى تراجع مستوى الثقة الخارجية بقدرة لبنان على تنفيذ التزاماته. وقد انعكس ذلك بوضوح في البرودة التي قوبل بها الإعلان اللافت لرئيس الجمهورية عن استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي بهدف وقف الحرب، وهو إعلان كان يُفترض أن يحظى باهتمام دولي أوسع، لو جاء في سياق مسار داخلي واضح، يعزز سلطة الدولة ويضع حداً لازدواجية القرار العسكري.
فالعواصم المعنية بالملف اللبناني تدرك أن أي مسار تفاوضي لوقف الحرب لن يكون قابلاً للحياة، إذا لم يترافق مع معالجة جذرية لمشكلة السلاح خارج إطار الدولة. فهذه القضية لا ترتبط فقط بالتوازنات الداخلية اللبنانية، بل تتصل أيضاً بالخشية الدولية من استمرار استخدام الأراضي اللبنانية كساحة ضمن الصراع الإقليمي الأوسع الذي تقوده إيران عبر شبكة حلفائها في المنطقة وفي مقدمتهم حزب الله.
من هنا تبدو الدولة اللبنانية أمام خيارات صعبة لكنها ضرورية. الخيار الأول يتمثل في الانتقال من مرحلة التصريحات السياسية، إلى مرحلة الخطوات العملية التي تعيد تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، ولو بشكل تدريجي ومدروس، بما يعيد ترميم الثقة المفقودة مع المجتمع الدولي، ويؤكد أن لبنان يسعى فعلاً لاستعادة قراره الوطني المستقل.
أما الخيار الثاني فيرتبط بتفعيل المسار الدبلوماسي الذي أشار إليه رئيس الجمهورية، والعمل على تحويل مبادرة التفاوض إلى إطار دولي أوسع، يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وإبعاد لبنان عن دائرة الحرب المفتوحة في المنطقة. لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على إقناع المجتمع الدولي بأنها الجهة الوحيدة القادرة فعلاً على الإمساك بقرارها السيادي.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على وقف الحرب الدائرة، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة موقع الدولة نفسها ومرجعيتها الوحيدة للقرارات المصيرية. فاستمرار الواقع الحالي، حيث تتداخل قرارات الحرب مع حسابات الصراعات الإقليمية التي يخوضها حزب الله، خارج سلطة الدولة، يهدد بتحويل لبنان مرة أخرى إلى ساحة مواجهة بالوكالة، وهو سيناريو يدرك اللبنانيون أن كلفته ستكون باهظة على أمنهم واقتصادهم واستقرارهم الاجتماعي.