نمرُّ في لبنان منذ عقود في فترات متتابعة من الهدوء والحروب منعت عمليا اقتصادنا من النمو. في وضعنا الحالي لا يمكن لحجم الاقتصاد أن يرضي الطبقات العمالية ولا حتى طموحات قطاع الأعمال لأن الامكانات ضيقة وفرص النمو قليلة. حروبنا كانت أحيانا داخلية وأحيانا أخرى خارجية، لكن في الحالتين تضرر الواقع الاجتماعي وضعفت قدراتنا على النمو والازدهار. كي ننمو يجب أن نعزز السلم الأهلي كي تتدفق الاستثمارات الينا وتخلق فرص عمل جديدة وتطور في نفس الوقت القدرات الحالية الموجودة.
تشير الوقائع الى أن معظم الحروب في هذا الزمن هي أهلية أو داخلية وتمتد لسنوات أو عقود. هذا لا يمنع أن يكون هنالك أطراف خارجية مهتمة بل تسعى الى تعميق الخلافات والخسائر. هنالك حروب انتهت كما هو الحال في شمال ايرلندا وكولومبيا لكن هنالك حروب أخرى مستمرة بشكل أو آخر منها الوضع اللبناني. فالناس عالميا لا تصغي الى بعضها وما يجري في الولايات المتحدة اليوم كما في فرنسا يشير الى أن فرص الحوار والتعاون ضاقت. كل فريق يريد أن ينتصر كليا على الآخر. هذا الجو يفسر صعود اليمين المتطرف في أعرق الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة تحديدا مع مجموعات MAGA. الجو السياسي الحالي في الغرب لا يطمئن وكان له تأثير كبير في انتخاب «دونالد ترامب».
ما يحدث اليوم من مشاكل لانتقال السلطة في بعض الدول مقلق ويؤخر عملية التنمية دوليا. في نفس الوقت يزدهر الفساد في الدول الناشئة والنامية والأمثلة كثيرة أهمها في البرازيل وكوريا الجنوبية. غياب الديموقراطية يؤدي الى حروب اذ عوض أن ينتصر فريق على آخر في صناديق الاقتراع، يلجاؤن الى الشارع للفوز. بعض الحكام في الدول النامية لا يتحملون وجود معارضة بل يرغبون في القضاء عليها. الحكم في نظرهم استمرارية على حساب الشعب وخياراته. ما زال الخيار الديموقراطي في العديد من الدول النامية الخيار الثاني.
هل تستأهل السياسة في أي بلد تدمير الاقتصاد والانسان للوصول الى السلطة أو للحفاظ عليها؟ مشكلة هذه الحروب أن المواطن البريء هو الخاسر الأكبر، والخارج مهما تعاطف حقيقة أو تمثيلا لا يهمه الا نفسه ولن يهتم بنا أكثر من اهتمامنا بأنفسنا. في لبنان، عانينا الكثير من الحروب الأمنية وما زلنا نعاني من الحروب السياسية لأن الديموقراطية الحقيقية مفقودة. علمتنا تجربة لبنان أن الخلاف على أي موضوع، مهما تفاقم، لا يجب أن يصل الى العنف علما أن الحوار البرلماني الذي يشتعل من وقت الى آخر في مناقشات الموازنة غير مقبول.
للحروب الأهلية أسبابها، لكنها تؤدي جميعها الى زيادة الكراهية بين المواطنين. الأسباب الاقتصادية هي الأهم كما تشير اليه الدراسات الحديثة. البحبوحة الاقتصادية تؤخر أو ربما تمنع الحروب واذا حصلت لا تكون مدمرة وطويلة. من الأسباب الأخرى الظلم وضعف المؤسسات العامة ووجود الفساد في الأجهزة الرسمية من أمنية الى قضائية وسياسية واعلامية. المواطن العادي وخاصة النساء والأطفال هم الضحايا الأول، اذ يخسرون منازلهم وأعمالهم بالاضافة الى خسارة الحياة والاعاقة والأمل بالمستقبل. الهجرة عبر البواخر الصغيرة مؤلمة ولا يمكن تبريرها.
الحروب بين الدول عالميا موجودة لكنها أصبحت ولحسن الحظ قليلة. العلاقات بين الدول حتى لو تفاقمت في السياسة تبقى عموما ضمنها أو عبر أروقة الأمم المتحدة أو في المجالس الاقليمية أو غيرها. مهما تفاقمت العلاقات بين أميركا وروسيا أو بين أميركا والصين لا يمكن لعاقل أن يتوقع حدوث حرب بينهم. الدول المتقدمة فهمت أن المشاكل لا تحل الا بالمفاوضات ونأمل أن تنتقل هذه العدوى الى الدول النامية والناشئة. العلاقة بين الحروب والتنمية هي حلقة مفرغة تدمر الاقتصاد والحياة وتهجر المواطن. نتائج الحروب الداخلية مخيفة وتنعكس على الصحة ومستوى المعيشة والاعاقة والحياة، وكلما طالت كلما زادت تكلفة الاعمار والانقاذ. هنالك مستفيدون دائمون من الحروب هي مصانع وتجار الأسلحة.
فلمن ولماذا تصدر الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا الأسلحة المتنوعة بمليارات الدولارات سنويا؟ من دون حروب، تخف هذه التجارة ويخف الانفاق على الدفاع وترتفع نسب البطالة. طبعا لا نبرئ قوى الداخل التي تبقى المسؤولة الأولى عن حدوث واستمرار الحروب العنيفة. طالما أن الطلب موجود، سيلبي العرض الحاجة ويدعمها. وفي العكس أيضا، وجود العرض يخلق الطلب تماما كما قال «جان باتيست ساي» منذ قرون. هذه الأسلحة كي تستعمل، يجب أن تخلق الطلب المناسب كما قال «جون كينيث غالبريث» وهذا ما يحصل في المجتمعات الفقيرة. هنالك مستفيدون في الداخل من الحرب، أي من عمليات التهريب في غياب أجهزة الرقابة والأمن. في لبنان بسبب الحروب، اغتنى العديد من التجار نتيجة استيراد السلع والممنوعات بكميات كبيرة في غياب الجمارك والرقابة والأمن. فالحروب لا تمول نفسها فقط، بل هنالك من يمولها لأهداف اقتصادية وسياسية. المهم بعد الحروب ليس فقط انقاذ الاقتصاد، وانما أيضا انقاذ الانسان والنفس والعقل.