بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 آب 2025 12:10ص 4 آب وفرص التغيير

حجم الخط
لم يكن أحد يتوقع أن نبقى بعد 5 سنوات من الانفجار الكبير جاهلين لكل التفاصيل والحقائق الدقيقة عن كل ما حصل.  يجب أن نعرف كرأي عام من هم المسؤولون وكيف تم تنفيذ هذا الجرم الكبير واقرار العقوبات الصارمة بحقهم.  أحد المسؤولين وقتها طلب 5 أيام حتى يكشف كل شيء عن الجريمة، وها نحن بعد 5 سنوات نجهل الحقائق والمعرقلون لا يستحون.  من غير المقبول أن يرفض أي مسؤول أياً كان موقعه الحالي أم السابق اعطاء افادته عن الكارثة مهما كانت الحجج التي لا يمكن قبولها في أي حال من الأحوال.  المسؤولية تجاه الضحايا والناس هي أهم من أي مسؤولية أو حجج أخرى.
تكلفة زلزال 4 آب ضخمة بكل المعايير وليست فقط مادية، انما هي معنوية ونفسية وسياسية واجتماعية أيضا.  التكلفة كبيرة على الأطفال والأهل والمجتمع قبل أن تكون على البنية التحتية.  مع العهد والحكومة الجديدين نأمل أن يكشف كل شيء وأن لا يغطى أحد مهما كان مركزه ومهما كانت علاقاته السوداء قوية ومؤذية.
العالم كله مخضوض اليوم خاصة بسبب سياسات الرئيس ترامب الاقتصادية والتجارية قبل السياسية.  فالاقتصادات الأساسية تعاني من الركود والبطالة وارتفاع تكلفة الغطاء الاجتماعي.  شراء الذهب بكميات كبيرة من قبل المستهلكين والمستثمرين رفع سعره الى ما يقارب 3358$ للأونصة كما رفع سعر العملات المشفرة الى حدود مرتفعة جديدة مثلا، 117 ألف دولار للبيتكوين الواحدة.  الاقتصاد العالمي يتغير وتتبعه كل الاقتصادات المحلية والاقليمية.  لذا يقول «ستيغليتز» الاقتصادي اللامع أن هنالك مشكلة في تقييم مستوى المعيشة، اذ أن مؤشر الناتج المحلي المعتمد لا يصلح بسبب تجاهله للمواضيع النوعية والنفسية.  فهذا المؤشر المعتمد عالميا لتقييم الأوضاع الاقتصادية سقط، ولا بد من مؤشر جديد يأخذ بالاضافة الى التطور المادي معايير الصحة والبيئة والأمن والسعادة كما الفجوات الكبيرة في الدخل والثروات.
في لبنان معاناتنا متنوعة وعميقة، اذ ما الذي يؤكد لنا مثلا عدم وجود متفجرات مماثلة في مرافئ أو مرافق أخرى في المدن الكبيرة أو حتى الريف؟  هذا النوع من القلق يؤثر سلبا على نوعية الحياة واستمراريتها، كما على حجم ونوعية الاستثمارات المحققة في قيمتها وفي هوية القطاعات التي تستقبلها.  اعادة الثقة من قبل الشعب تجاه المسؤولين مطلوبة ولا يمكن أن تتم أولا من دون نتائج تحقيق صحيحة وكاملة وسريعة لكارثة 4\8.  فالدور الذي لعبه شباب لبنان من مختلف المناطق كما المنظمات المدنية في حصر الخسائر على الأرض ومساعدة المتضررين أكد حيوية الشعور الوطني والانساني الذي نتمتع به.  خطورة ما حدث في 4 آب أن المواطن ضرب في بيته وفي ساعات الآمان، وليس هنالك ما يطمئن على المدى الطويل.  هنالك شعور بأننا متروكون لأنفسنا وهذا مزعج ومضر ويدعو الى التشاؤم بل الخوف مما يأتي أو يمكن أن يأتي.
زلزال 4 آب يدعونا مجددا الى التفكير بأمور كثيرة غير مرتبطة به مباشرة لكننا اعتبرناها بديهية منها الحرية الاقتصادية غير المضبوطة والتي أعطتنا الازدهار والنمو، لكن في نفس الوقت أنتجت فجوة كبيرة في الدخل والثروة. أنتجت أيضا قطاع عام فاسد وضعيف ساهم في احداث العديد من الكوارث منها زلزال 4 آب.  يجب أن نتحلى كلبنانيين بالواقعية والوضوح لأن الظروف الاستثنائية تتطلب تفكيرا مناسبا وكفاءات استثنائية لا يبدو أنها ظاهرة حتى اليوم.  يجب أن نتواضع في لبنان ولا ندعي معرفة كل شيء كما كان يحصل سابقا، ونتذكر ما قاله سقراط يوما «الانسان الحكيم هو الذي يعرف انه لا يعرف شيئا».
مع الزلزال ونتائجه الكبيرة المستمرة، نستمر في العيش في لبنان في فترة ندرة طويلة Scarcity أي أن ما نستطيع الحصول عليه أقل مما نرغب به وهذا مزعج.  لا يقتصر هذا الموضوع على الطعام وانما على كل شيء من صحة وبيئة وتعليم وبنية تحتية وغيرها.  علم الاقتصاد يرتكز على «الندرة» والمناهج التعليمية تفسرها للأطفال منذ الصغر.  فترة الندرة ستكون طويلة ومن الممكن أن ينتج عنها اداء أفضل من قبل القطاعين العام والخاص اذا أحسنا التصرف.  في الواقع تسيطر الندرة على العقل وتوجهه نحو ما يمكن أن يزيد الكميات المتوافرة.  لا شك أن الندرة مزعجة وتسبب الغضب خاصة في مجتمع تعود على البحبوحة ويحب المظاهر ومستعد للاستدانة للاستهلاك.  حتى في الظروف العادية، الندرة في الطعام لأسباب صحية أو مادية تسبب القلق وتؤثر على الأعصاب قبل العقل.  لا يمكن للانسان العادي أن يحسن التفكير اذا لم يأكل كما يرغب في الكمية والنوعية.  الندرة دائما صعبة لكنها يمكن أن تكون فرصة للتغيير.
تؤثر الندرة على تصرفاتنا ويمكن أن ترفع من انتاجيتنا لأننا نحاول عندها ترشيد انفاقنا وتصرفاتنا وتخفيف الوقت المهدور على الأمور غير الأساسية.  جميعنا أنتج الكثير عندما وضعنا أمام تقشف الوقت deadline أي ضمن حدود وقتية واضحة.  في لبنان خاصة، نضيع الكثير من الوقت اذا لم يكن لنا موعد محدد صارم لتقديم الانتاج النوعي المطلوب.  تنتج الندرة قدرة كبيرة على الابداع لا تظهر في الانسان في الظروف العادية.  في نفس الوقت التركيز على المواعيد الصارمة يمكن أن يضر بأمور أخرى مهمة، كأن يهمل الانسان عائلته لانهاء كتاب أو عمل فتكون التكلفة باهظة جدا.  هذا غير منطقي لكنه واقعي ويحصل في أكثر المجتمعات تطورا، حيث الانتاج أهم من العائلة والاجتماعيات.  الزلزال حصل والأضرار كبيرة، ونتضرر أكثر معنويا ونفسيا اذا ركزنا على الخسائر فقط.  مجرد التفكير بالندرة والعمل الجدي على المواجهة والتغيير يمكن أن ينقلنا الى ظروف أفضل لم تكن لتحصل لولا الزلزال.