في خضمّ الأحداث المتسارعة والحروب التي تضرب الشرق الأوسط وتثقل كاهل شعوبه، يطلّ اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار ليذكّر العالم بأنّ للمرأة حضوراً لا يمكن تجاهله حتى في أحلك الظروف. فهذه المناسبة لا يجوز أن تُختزل بعبارات التهنئة أو الاحتفال العابر، لأن هذا اليوم لم يُمنح للمرأة اعتباطاً، بل جاء تتويجاً لمسيرة طويلة من النضال والنجاحات التي حققتها عبر العصور، فاستحقت بجدارة يوماً عالمياً يسلّط الضوء على دورها ويعيد قراءة واقعها في عالم يزداد تعقيداً واضطراباً.
اليوم، وفي ظلّ تداخل الأزمات السياسية والاقتصادية ودوامات الحروب، تقف المرأة في الصفوف الأولى للحياة، تؤدي أدواراً متعددة في آن واحد: حامية للعائلة، عاملة في المجتمع، وشريكة أساسية في تحمّل أعباء الحياة اليومية. ورغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم، لم تتخلَّ المرأة عن مسؤولياتها التقليدية داخل الأسرة، بل بقيت العمود الفقري في إدارة المنزل وتربية الأبناء والحفاظ على تماسك العائلة.
ورغم أنّ الحروب بطبيعتها بعيدة عن ذهنية المرأة ولا تدخل ضمن خياراتها أو قراراتها، إلا أنها تجد نفسها في كثير من الأحيان مضطرة لتحمل أدوار إضافية نتيجة غياب الرجل بسبب الهجرة أو الحرب أو الضغوط الاقتصادية. وهذا الواقع يتجلّى بوضوح في لبنان، حيث تواجه المرأة الأزمات المتلاحقة بصلابة نادرة، فتقف في وجه الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية، وتتحمّل تبعات النزوح والخوف وعدم الاستقرار، وكأن معاناتها سلسلة لا تنتهي.
ومع ذلك، فإن المفارقة اللافتة أن المرأة، رغم كل هذه الأعباء، لم تتراجع ولم تنكسر. بل على العكس، طوّرت قدراتها الذهنية والفكرية بما يتلاءم مع متطلبات العصر، ونجحت في إثبات حضورها في مجالات العمل المختلفة، ما فتح أمامها مساحة أوسع لإثبات كفاءتها وقدرتها على التأثير.
ومن هنا يبرز السؤال الكبير داخل المجتمع اللبناني: إذا كانت المرأة قد نجحت في إدارة أدق تفاصيل الحياة المعقّدة، فلماذا لا يُترك لها المجال لخوض معترك الحياة السياسية عن قناعة حقيقية؟ ولماذا يُنظر إلى مشاركتها السياسية أحياناً كأنها "جائزة ترضية” أو مجرد استجابة شكلية لضغوط المجتمع الدولي؟
في لبنان تحديداً، لا تزال مشاركة المرأة في الانتخابات النيابية محدودة، وغالباً ما تتردد كثيرات في خوض هذا الاستحقاق خشية حملات التشويه أو الاستهداف الشخصي في زمن أصبحت فيه شبكات التواصل ساحة مفتوحة للاتهامات والإساءة. لذلك تفضّل العديد من النساء الابتعاد عن هذه المواجهة حفاظاً على سمعتهنّ، فيما يبقى حضور المرأة في مواقع القرار غالباً مرتبطاً بتعيينات أو علاقات عائلية، سواء عبر الأب أو الزوج، لا عبر الاعتراف الصريح بقدراتها الشخصية وكفاءتها.
وقد يكون الخوف الحقيقي لدى بعض القوى السياسية من دخول المرأة بقوة إلى الحياة السياسية مرتبطاً بإمكانية تغيير قواعد اللعبة نفسها. فحضورها قد يفرض مستوى أعلى من الشفافية والمساءلة، ويحدّ من ثقافة الزبائنية والفساد التي اعتادت عليها بعض الأنظمة السياسية.
من هنا، لا يبدو تمكين المرأة سياسياً مجرد قضية حقوقية فحسب، بل ضرورة مجتمعية ملحّة. ففي عالم يرزح تحت الأزمات والحروب، قد يكون إشراك المرأة في صنع القرار أحد المفاتيح الأساسية لإنتاج سياسات أكثر توازناً وإنسانية. فالمرأة التي نجحت في الحفاظ على استمرارية الحياة داخل الأسرة رغم كل العواصف، قد تكون أيضاً قادرة على الإسهام في إخراج المجتمعات، وخصوصاً لبنان، من المآزق التي تهدد مستقبله.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي في يوم المرأة العالمي ليس ما إذا كانت المرأة قادرة على العمل السياسي، بل متى سيقتنع المجتمع بأن حضورها في هذا المجال ليس منّةً ولا استثناءً، بل حق طبيعي وضرورة حتمية لبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً.