لا ننتظر يوم ١٤ شباط كل عام حتى نتذكر رفيق الحريري، بكل ما كان يمثّل من قِيمة وطنية، ورجل دولة، وراعي نهضة لبنان الحديثة، وباني بيروت والمرافق الحيوية في مختلف المناطق اللبنانية، وقبل كل ذلك كان الدينامو الناشط في مؤتمر الطائف الذي إنتهى بالاتفاق التاريخيّ الذي أنهى الحروب القذرة في لبنان.
الحديث عن «المرحلة الحريرية» يُعيدنا إلي مشاهد الفترة الذهبية التي عاشها لبنان في الخمسينيات والسيتينيات حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، يوم كان لبنان «سويسرا الشرق»، ومستوى الدخل الفردي يُضاهي مثيله في البلاد الأوروبية،وكانت سنغافورة ترى في وطن الأرز نموذجاً يُحتذى لتحقيق الإزدهار المنشود في الجزيرة الفقيرة، التي ارسلت بعثة من الخبراء إلى بيروت في مطلع الستينات لدرس معطيات التجربة اللبنانية الناجحة.
لم يكتفِ رفيق الحريري بما توفر له من دعم عربي، وخاصة سعودي مفتوح، بل جاب العالم شرقاً وغرباً، لإعادة لبنان إلى خريطة الإستثمار الدولي، وعقد صداقات قوية مع رؤساء دول كبرى، وأقام علاقات شخصية مميزة مع مسؤولي مؤسسات مالية دولية، وخاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتمكّن من عقد مؤتمرات باريس الدولية للحصول على المساعدات اللازمة لورشة الإعمار والإنماء التي قادها بجدارة مشهودة عالمياً، والتي أتاحت للبنان إستضافة مؤتمرات إقليمية ودولية، مثل القمة العربية وقمة الدول الفرنكوفونية في العاصمة التي نهضت من ركام الحرب البغيضة.
لم تقتصر «المرحلة الحريرية» على الإنجازات العمرانية والإنمائية التي تحققت في فترة زمنية قياسية، بل تركزت أيضاً على مجموعة من المبادىء والقِيم الوطنية، التي مازالت تُعتبر حجر الأساس في صون الوحدة الوطنية.
رغم العراقيل المعروفة في تنفيذ بنود إتفاق الطائف، فقد حرص رفيق الحريري على تعزيز قواعد العيش الواحد بين اللبنانيين، وفي مقدمتها إلغاء العمل بمنطق الأكثرية الطائفية، وإعتماد مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب وفي وظائف الفئة الأولى، كما في عضوية مجلس بلدية بيروت، فضلاً عن مقتضيات العمل الديبلوماسي.
وحارب الحريري كل مظاهر وأفكار التطرف الديني والسياسي، ووقف في وجه التيارات المتشددة، وتصدى للفتنة السنية-الشيعية، وتمسك بقواعد الإعتدال وإعتماد الحوار مع الآخر.
ولكن لم يشفع نضال «أبو بهاء» الوطني، وتضحيات مسيرته القومية، وما قدّمه من دعم للنظام السوري، وما حققه لحزب الله والمقاومة من إعتراف دولي بعد حرب «عناقيد الغضب» عام ١٩٩٨، فكان إغتياله السياسي في اللقاء الشهير مع بشار الاسد، بمثابة تمهيد لارتكاب جريمة إغتياله جسدياً، في ذلك اليوم الأسود من شباط.
إلى جنّات الخلد يا شهيد الوطن والعروبة، والقاتلون المجرمون إلى جهنم وبئس المصير.