لم يكن العالم ينتظر الحوار الناري بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الأؤكراني زيلينسكي، في البيت الأبيض وأمام عدسات التلفزة، حتى يدرك الطبيعة الإستفزازية لرئيس «الدولة الأعظم»، والذي يتصرف بمصائر الشعوب، وجغرافية الدول، وكأنه «سلطان الكون»، لا تُرد له كلمة، ولا يجب أن يعترض على قراراته أحد، حتى ولو كان من أقرب الحلفاء، كما هو حال الإتحاد الأوروبي.
في المبدأ، لا أحد يعترض على ضرورة إنهاء الحرب الروسية ـ الأوكرانية، التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من القتلى، عسكريين ومدنيين من الجانبين، وتحولت في الأشهر الأخيرة إلى مواجهات باهتة، وغير قادرة على حسم الصراع عسكرياً، وبالتالي لا بد من التوجه للمفاوضات الديبلوماسية، بحثاً عن «تسوية ما»، تضع حداً لهذه الحرب المديدة التي كلفت الأطراف المعنية مئات المليارات من الدولارات، وأدت إلى أزمات إقتصادية وإجتماعية معقدة في البلدان الأميركية والأوروبية، وكثير من دول العالم الثالث، بسبب إرتفاع أسعار البترول في منظمة أوبك بلس، وأسعار المواد الغذائية المنتجة في أوكرانيا، التي كانت تعتبر خزان العالم للقمح والحبوب الأخرى.
لكن الرئيس الأميركي الذي تجاوز أصول المشاورات مع حلفائه الأوروبيين، يحاول إنهاء هذه الحرب على طريقة تاجر العقارات الجشع، الذي يستغل حاجة الطرف الآخر لماله، ليفرض عليه شروط الشراء، وبالاسعار المجحفة الذي تناسبه.
أراد ترامب وبشكل علني، لا يخلو من الوقاحة، فرض إتفاق على أوكرانيا يستولي بموجبه على ما قيمته ٣٥٠ مليار دولار من المعادن الثمينة والنادرة التي تشتهر بها الدولة الأكبر مساحة في القارة الأوروبية بعد روسيا الإتحادية.
وذهب الرئيس الأميركي أبعد من ذلك، عندما أعلن أن جغرافية وحدود أوكرانيا لن تعود كما كانت قبل الحرب، وأن العديد من المناطق التي إحتلها الجيش الروسي، خاصة التي يتكلم سكانها اللغة الروسية، ستبقى خاضعة للسيطرة الروسية، ويتم سلخها عن الدولة الأوكرانية.
خطورة المشادة التي حدثت في المكتب البيضاوي بين الرجلين، بوجود ومشاركة نائب الرئيس الأميركي فانس، أن يتحول «الأسلوب الترامبي» إلى عُرف في العلاقات الدولية لحل المشاكل والأزمات والحروب، بعيداً عن القوانين والقرارات الدولية، التي تعتمد مبادئ العدالة والحقوق الوطنية للدول التي تُعاني من إحتلالات خارجية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، التي سارع ترامب بالتخلي عن حل الدولتين المطروح من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة، بما فيها ولايته الأولى.
ويبقى طرح ترامب الإلغائي بتهجير مليوني فلسطيني من غزة، بحجة تحويل هذه المنطقة المنكوبة إلى ريفييرا الشرق الأوسط، الدليل الساطع لعقلية تاجر العقارات الذي يُدير السياسات الدولية في العالم!
د. فاديا كيروز