يشكّل تحييد لبنان عن أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران هاجساً يومياً لدى غالبية اللبنانيين، الرسميين منهم وغير الرسميين. فبلد أنهكته الأزمات الاقتصادية والمالية، ودمّرته الحروب السابقة، لا يملك ترف الانزلاق إلى مغامرة عسكرية جديدة قد تقضي على ما تبقّى من مقوِّمات صموده. ومن هنا، يتقدّم مطلب تحييد لبنان باعتباره ضرورة وطنية تتجاوز الانقسامات التقليدية، لا مجرد موقف سياسي عابر.
في هذا السياق، اكتسب موقف رئيس الحكومة نواف سلام في إفطار السراي أهمية خاصة، إذ حمل رسالة واضحة إلى الخارج كما إلى الداخل، مفادها أن الدولة اللبنانية ترفض أن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو حتى منصة للرسائل الإقليمية.
إن تأكيد سلام على عدم السماح بتوريط لبنان في المواجهة المحتدمة بين الأميركيين والإيرانيين لم يكن تفصيلاً خطابياً، بل إعلاناً سياسياً من الدولة اللبنانية يعكس توجهاً تدعمه أكثرية القوى السياسية ومعظم اللبنانيين.
فاللبنانيون، على اختلاف توجهاتهم، يدركون أن أي حرب جديدة لن تكون "جولة محدودة"، بل زلزالاً شاملاً يضرب ما تبقّى من مؤسسات وبنى تحتية واقتصاد منهار أصلاً. التجارب السابقة أثبتت أن كلفة الحروب في لبنان لا تُقاس فقط بالخسائر البشرية، بل بسنوات طويلة من التراجع والاستنزاف والعجز على مواجهة متطلّبات إعادة الإعمار، وبلسمة الجروح التي سببها الحرب من ضحايا وخراب ودمار . لذلك، تبدو معارضة الانزلاق إلى الحرب موقفاً جماعياً عابراً للطوائف والأحزاب، باستثناء حزب الله الذي يجد نفسه أمام معادلة مختلفة.
الحزب، المرتبط عضوياً بالمحور الذي تقوده طهران، يواجه تحدياً وجودياً في حال قررت إيران توسيع رقعة المواجهة. فهو من جهة جزءٌ من نسيج لبناني منهك يرفض الحرب، ومن جهة أخرى لاعب إقليمي يصعب عليه التنصل من الالتزامات الإيرانية . غير أن الواقعية السياسية تفرض على قيادته قراءة دقيقة لموازين القوى، ولأولويات بيئته الحاضنة التي دفعت أثماناً باهظة في الحرب الأخيرة، والتي لا تبدو مستعدة لتحمّل كلفة مواجهة مفتوحة جديدة.
إن مسؤولية تحييد لبنان لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية جامعة بإمتياز. المطلوب قرار سياسي حاسم يؤكد حصرية قرار السلم والحرب بيد الدولة، أعلن عناوينه الأولى رئيس الحكومة أمس ،على أن يواكبه موقف عقلاني من جميع الأطراف، لا سيّما حزب الله، يضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر.
حماية لبنان اليوم لا تكون بالشعارات والمزايدات، بل بإبعاده فعلياً عن حروب الآخرين، والإلتزام بصون استقراره الهشّ كأولوية مطلقة.
فهل تنتصر العقلانية والواقعية الوطنية هذه المرة على الإلتزامات الإيديولوجية؟