بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 تموز 2025 12:20ص تداعيات السويداء ومستقبل النظام

حجم الخط
تشكّل الأحداث الأخيرة في محافظة السويداء السورية، والتي شهدت تصعيداً غير مسبوق من العنف المتبادل بين الطرفين المتقاتلين، إنذاراً جدياً حيال هشاشة الوضع الداخلي السوري، وتهديداً مباشراً لبنية الاستقرار النسبي، والثقة التي حصل عليها النظام في الأشهر الماضية. فقد تجاوز القتال في السويداء حدود الخلافات السياسية والقومية، ليتخذ طابعاً مذهبياً مقيتاً، ساهمت أصابع الفتنة الإسرائيلية في تأجيجه.
تنبع خطورة ما يجري في السويداء من طبيعة المحافظة ذات الأغلبية الدرزية، والتي ظلت طوال سنوات الحرب السورية في موقع رمادي، بعيداً عن الاصطفافات العسكرية المباشرة. وكان الحراك الشعبي فيها ضد النظام السابق، ليس مدفوعاً بأجندات خارجية أو انتماءات فصائلية، بل هو تعبير حقيقي عن نقمة شعبية متراكمة نتيجة التهميش والفقر وغياب الخدمات، طوال سنوات حكم الأسد الأب والإبن، ما أعطاه صدقية صعب على النظام السابق تجاهلها أو قمعها بالأساليب التقليدية.
الواقع أن أحداث السويداء حملت تداعيات عدة على النظام في دمشق. أولها التدخل الإسرائيلي السافر في إستخدام القوة المفرطة، والتجرؤ على قصف محيط قصر الرئاسة السوري ومقر وزارة الدفاع وهيئة الأركان في قلب دمشق. ثانيها، انكشاف محدودية قدرة النظام على ضبط الأوضاع دون استخدام القوة، وهو خيار بات مكلفاً سياسياً وأمنياً. ثالثها، إحراج النظام أمام مشجيعه من الدول العربية والغربية، الذين يراهنون على الحفاظ على الاستقرار والتهدئة، بانتظار تسويات أوسع على الساحة السورية.
في مواجهة هذه الأزمة، لا يبدو أن الخيار الأمني سيكون مجدياً أو مستداماً، بل إن المدخل الأنسب للحد من تفاقم الأوضاع يكمن في انتهاج مقاربة سياسية ــ اقتصادية لتطويق الحساسيات والصراعات التي أشعلتها الإشتباكات بين الدروز والعشائر العربية، وتقديم ضمانات بعدم استخدام القوة، وفتح حوار مباشر مع وجهاء الطرفين ومرجعياتهما السياسية والروحية، بهدف إعادة بناء الثقة، ومعالجة الندبات والجروح التي تركتها الأحداث الدامية لدى الجانبين. بالإضافة طبعاً إلى إتخاذ كل ما من شأنه تفويت الفرصة على نتنياهو لإستغلال تدهور الأوضاع بحجة حماية «الإخوان الدروز»، ليتهرب من جلسات محاكمته بتهم الفساد والرشوة والتقصير في تجنب هجوم «حماس» يوم ٧ تشرين الأول عام ٢٠٢٣.
ولكن كل تلك الإعتبارات لا تمنع من القول  أن النظام السوري أمام اختبار حقيقي لقدرته على حماية شرعيته، ليس بالقوة، بل عبر تحولات جدّية في النهج والأسلوب، والتمكن من السيطرة على الأوضاع الأمنية، وتحصين الجبهة الداخلية السورية من إختراقات التدخلات الإسرائيلية، وما تحمله من فتن دموية لزرع الشقاق والإنقسامات بين مكونات الشعب السوري.
 المراهنة على عامل الوقت، أو الاتكاء على الدعم الخارجي وحده، لم يعد كافياً لضمان الاستقرار في بلد أنهكته الحروب والانقسامات العنصرية والطائفية والمذهبية التي تسبب بها النظام السابق.