بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 آذار 2026 12:00ص عندما يسكت الكلام.. ويبدأ منطق القوة

حجم الخط
سكت الكلام اليوم.
ليس لأن الحقيقة غابت، بل لأن أحدًا لم يعد مهتمًا بسماعها.
لقد انتهى زمن الخطابات الطويلة عن القيم، وحقوق الإنسان، والنظام الدولي القائم على القواعد. ما نشهده اليوم ليس أزمة عابرة، بل انهيار تدريجي للمنظومة التي أقنعت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أن القانون يمكن أن يضبط القوة.
اليوم عادت القاعدة الأصلية للتاريخ: القوة أولًا… ثم تُكتب المبادئ لاحقًا لتبريرها.
حرب الجبابرة بدأت فعلًا، لكنها لا تُعلن رسميًا.هي حرب اقتصادات، ممرات بحرية، طاقة، تكنولوجيا، وذكاء اصطناعي. حرب على النفوذ قبل أن تكون حربًا على الأرض. القوى الكبرى لم تعد تتنافس فقط؛ بل دخلت مرحلة الخوف الوجودي من خسارة موقعها في النظام العالمي القادم. وعندما تخاف الإمبراطوريات… يصبح العالم كله ساحة معركة.
في هذه المرحلة، يسقط الوهم الأكبر: الحياد الدولي.
نرى دولًا تُحاسَب وأخرى تُستثنى، قوانين تُطبّق هنا وتُعطَّل هناك، ومفاهيم العدالة تتحول إلى أدوات ضغط سياسي. لم يعد السؤال من هو على حق، بل من يملك القدرة على فرض روايته كحقيقة عالمية.
إنه منطق «عليَّ وعلى أعدائي» بصيغته الحديثة.
الدول الكبرى مستعدة لحرق مساحات كاملة من الاستقرار العالمي كي لا تخسر موقعها. الاقتصاد العالمي يُعاد تشكيله بالقسر، والتحالفات تُبنى على الخوف لا على القناعة، والعقوبات أصبحت سلاحًا لا يقل فتكًا عن الصواريخ. أما الدول الصغيرة — ومنها دول منطقتنا — فتعيش أخطر أوهامها: الاعتقاد أنها خارج الصراع. الحقيقة القاسية أن الدول الضعيفة لا تُستشار في لحظات إعادة رسم العالم؛ بل تُستخدم كممرات، أو ساحات، أو أوراق تفاوض. والأخطر أن بعض النخب ما زالت تتجادل بلغة الماضي:
خطابات داخلية، صراعات شخصية، ومنافسات انتخابية صغيرة، بينما النظام الدولي نفسه يتغير تحت أقدام الجميع.
نناقش تفاصيل بينما تُعاد صياغة قواعد اللعبة.
التاريخ يعلمنا أن أخطر لحظة على أي شعب ليست الحرب نفسها، بل اللحظة التي لا يدرك فيها أنه دخل زمن الحروب الكبرى. عندها يصبح ردّ الفعل متأخرًا دائمًا. ما يحدث اليوم ليس صراع دول فقط، بل انتقال عالمي من مرحلة إلى أخرى: من العولمة إلى التكتلات،
من الاقتصاد المفتوح إلى اقتصاد الحماية، ومن الدبلوماسية الناعمة إلى الردع الصريح. لقد عاد العالم إلى منطقه القديم: الأمن قبل الازدهار،القوة قبل الأخلاق، والبقاء قبل المبادئ. ولهذا سكت الكلام.ليس لأن الوعي لم يعد مهمًا، بل لأن الوعي وحده لم يعد كافيًا. المرحلة القادمة ستُحدَّد بمن يفهم قواعد القوة الجديدة، لا بمن يكرر شعارات المرحلة السابقة. في زمن حرب الجبابرة، لا يُسأل الضعفاء ماذا يريدون… بل ماذا يستطيعون أن يمنعوا.
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس من سينتصر في هذا الصراع، بل:
هل نملك نحن موقعًا في العالم الذي يُبنى الآن، أم سنستيقظ لنجد أنفسنا مجرد هامش في كتاب كتبه الآخرون؟

خلود وتار قاسم