رحل الدكتور فوزي زيدان، لكن أثره لم يرحل. غاب الجسد، وبقيت السيرة التي تشهد على رجلٍ عاش لبيروت كما يعيش القلب في الجسد، نابضاً بحبها، قلقاً على حالها، وساعياً لأن تبقى مدينة اللقاء والوحدة والكرامة.
لم يكن الدكتور فوزي زيدان مجرد طبيب يعالج آلام المرضى، بل كان طبيباً للمدينة أيضاً، يداوي جراحها بالكلمة الصادقة والموقف الشجاع. جمع بين العلم والإنسانية، بين المهنية والرسالة، فكان في عيادته ملاذاً للمتعففين، وفي حضوره الاجتماعي صوتاً للحق لا يخشى قول الحقيقة مهما اشتدت الظروف وتعقّدت الأحوال.
عرفته بيروت ناشطاً صادقاً في الدفاع عن قضاياها الوطنية والقومية، غيوراً على وجهها الحضاري، رافضاً لكل ما يسيء إلى روحها الجامعة. لم يكن يتحمل أن يرى العاصمة التي احتضنت اللبنانيين جميعاً تعاني الإهمال أو التراجع، فكان من أوائل من رفعوا الصوت لكشف الخلل والتنبيه إلى مكامن التقصير، مدفوعاً بإيمان عميق بأن بيروت تستحق الأفضل دائماً.
وفي مسيرته العامة، ترك بصمات واضحة في العمل الأهلي والاجتماعي، خصوصاً حين تولّى رئاسة "اتحاد العائلات البيروتية"، حيث عمل بإخلاص على تعزيز أواصر التعاون بين العائلات، وترسيخ قيم التضامن والانتماء إلى مدينةٍ كانت ولا تزال بيتاً واسعاً لكل اللبنانيين. كان يؤمن بأن قوة بيروت تكمن في تنوعها، وفي قدرتها الدائمة على جمع المختلفين تحت سقف العيش المشترك.
كما كان من المبادرين إلى تأسيس "ملتقى بيروت"، ومنبره الحواري الوطني، إيماناً منه بأن الحوار هو الطريق الأسمى لحماية الوحدة الوطنية وصون الاستقرار. أراده مساحة لقاء بين الآراء المختلفة، ومنصةً للكلمة المسؤولة التي تبحث عن القواسم المشتركة بدل تعميق الانقسامات. كما كان من أبرز المؤسسين والأمين العام لـ"منتدى بيروت للثقافة والفنون"، ليكون المنصة الوطنية الحاضنة لطاقات الشباب الإبداعية في مجالات الفن والفكر والثقافة.
كان فوزي زيدان رجلاً صريحاً، شجاعاً، وصاحب ضمير حي. لم يسعَ إلى موقع أو مكسب، بل عمل بجدّ وإخلاص على خدمة مدينته وأهلها. وكان حضوره دائماً يبعث الطمأنينة، لأن كلمته نابعة من محبة صادقة وإحساس عميق بالمسؤولية.
برحيله، تخسر بيروت وجهاً من وجوهها المخلصة، وصوتاً من أصواتها العاقلة التي كانت تدعو دائماً إلى الوحدة والتلاقي. لكن عزاءنا أن الرجال الكبار لا يغيبون تماماً؛ فهم يبقون في الذاكرة، وفي القيم التي زرعوها، وفي الأثر الذي يتركونه في قلوب من عرفوهم.
سلامٌ على روحك أيها الأخ والصديق العزيز.
سلامٌ على قلبٍ أحب بيروت حتى اللحظة الأخيرة، وعلى رجلٍ عمل من أجل أهل مدينته الطيبين حتى النفس الأخير.