بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 شباط 2026 12:15ص كيف يكون رمضان شهر التضامن والرحمة؟

حجم الخط
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتزيّن المجتمعات بموائد الإفطار التي تعكس أسمى صور التكافل والتراحم بين الناس. غير أن قيمة هذه الموائد لا تكمن في تنوّع أطباقها، أو كثرة المدعوين إليها، بل في المعاني الأخلاقية والإيمانية التي تحملها. 
رمضان ليس موسمًا اجتماعيًا عابرًا، بل محطة روحية تتجدد فيها معاني العطاء، ويستعيد فيها المجتمع وعيه بأهمية التضامن، وتلبية حاجات العائلات المتعففة والمعوزين بكل الإمكانيات المتاحة، سواء كانوا من أبناء الجنوب المهجرين، أو من أهالي الفيحاء المنكوبين. 
إن أعمال الخير التي تتضاعف في هذا الشهر الفضيل، من تفطير الصائمين إلى توزيع الصدقات، تعبّر عن جوهر الصيام الحقيقي: الإحساس بالآخر، ومشاركة المحتاجين همومهم، وترسيخ روح المسؤولية الجماعية. وحين يجتمع الناس حول مائدة واحدة، فإنهم يؤكدون أن الروابط الإنسانية أقوى من كل الفوارق، وأن القيم المشتركة قادرة على توحيد القلوب مهما اختلفت الآراء، وما عدا ذلك لا قيمة لكل مظاهر الصيام الزائفة.
إن الرسالة الأعمق لرمضان تتجاوز البُعد المادي إلى تهذيب السلوك وتنقية النفوس. فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريب يومي على ضبط اللسان وكبح الغضب، وتجنب كل ما يثير الفرقة والانقسام. إن أخطر ما يهدد تماسك المجتمع ليس الفقر وحده، بل الإمتناع عن مساعدة مجتمعنا، والكلمات الجارحة والشائعات المغرضة، وأساليب النميمة والذم التي تزرع الشقاق بين الناس. ومن هنا، فإن فعل الخير وصيانة اللسان في رمضان واجب أخلاقي لا يقل شأنًا عن أداء العبادات.
إن التحلي بفضائل الصدق والحِلم والتسامح هو الترجمة العملية لروح هذا الشهر. فالصادق يرسّخ الثقة، والحليم يطفئ نار الخلاف، والمتسامح يفتح أبواب الألفة من جديد. أما الانشغال بالسخافات والمهاترات، فلا يجلب إلا الضرر لأصحابه قبل غيرهم، ويبدِّد طاقة المجتمع في صراعات هامشية لا طائل منها. ورمضان، بما يحمله من نفحات إيمانية، فرصة حقيقية للارتقاء عن هذه الممارسات، واستبدالها بخطاب راقٍ وسلوك مسؤول.
إننا أحوج ما نكون في هذا الشهر إلى استحضار قيم الوحدة والتآخي، وتغليب لغة الحكمة على الانفعال، والتعاون على البر بدل التنازع. فالمجتمع الذي يتقاسم لقمة الإفطار، مدعوّ كذلك إلى تقاسم مشاعر الاحترام والرحمة. وبهذا فقط تتحول موائد رمضان إلى جسور محبة دائمة، لا تنتهي بانتهاء الشهر، بل تمتد آثارها لتبني مجتمعًا أكثر تماسكًا ونبلًا، يعيش أفراده بروح واحدة، تجسد التضامن بالأفراح والأتراح.