لم يكن ما جرى في مجلس النواب أمس مجرد تعطيل لنصاب جلسة تشريعية، بل كان تعطيلًا لإرادة الإصلاح ولحق فئة واسعة من اللبنانيين في ممارسة أبسط حقوقهم الديموقراطية. فالخلاف الذي فجّر الجلسة يدور حول قانون الانتخاب وتحديداً حق المغتربين في الاقتراع، حيث يصرّ الفريق السيادي ونواب التغيير على تمكين المنتشرين من التصويت على كامل مقاعد البرلمان الـ 128، فيما تتمسك الأطراف الأخرى بالإبقاء على ستة نواب موزعين على القارات الست.
في الجوهر، القضية لا تتعلق بعدد المقاعد، بل بمدى احترام مبدأ المساواة بين اللبناني المقيم واللبناني المغترب. فكيف يُعقل أن تُختزل أصوات مئات آلاف اللبنانيين في ستة مقاعد رمزية، بينما تشكّل تحويلاتهم المالية شريان حياة للاقتصاد المنهك؟ إن حرمانهم من المشاركة الكاملة ليس إلا تهميشاً مقصوداً، يخدم الحسابات الضيقة للأحزاب التي تخشى من انقلاب التوازنات إذا مُنح المنتشرون حقهم كاملاً.
الأخطر أن هذا الخلاف يتحول تدريجياً إلى ذريعة لتطيير الاستحقاقات الدستورية. فالكلام المتداول عن احتمال تأجيل الانتخابات النيابية المقبلة لسنة وبضعة أشهر بحجة "عدم التوافق" ليس سوى محاولة مقنّعة لتمديد عمر المجلس الحالي، بحيث يصبح المجلس المنتخب عام 2027 هو المخوّل بانتخاب رئيس الجمهورية المقبل. أي أن اللبنانيين قد يجدون أنفسهم مجدداً أسرى لعبة التسويف والتمديد التي اعتادتها الطبقة السياسية لتأمين بقائها في السلطة.
المشهد برمته يكشف ذهنية سائدة في إدارة الدولة: تعطيل متعمّد للإصلاحات، استقواء بالتوازنات الطائفية والسياسية، وابتكار الذرائع لتأجيل الاستحقاقات. أما المغتربون، الذين يُفترض أن يكونوا جسر أمل لوطنهم، فيُتركون خارج المعادلة كأن أصواتهم عبء لا قيمة له.
إن أي تسويف في حسم حق المنتشرين بالاقتراع الكامل هو طعنة في صميم الديموقراطية، ورسالة سلبية إلى كل لبناني في العالم. الإصلاح الحقيقي يبدأ من صناديق الاقتراع، وإذا استمر التلاعب بهذا الحق، فلن يكون هناك سوى مزيد من فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها.
وإذا كان الوضع الراهن لا يسمح بإعداد قانون إنتخابي عصري وخارج القيد الطائفي، كما نص إتفاق الطائف، فلتعمل الأطراف السياسية على قانون انتخابي عادل يكرّس حق المغتربين في الاقتراع الكامل، وإلاّ لا يكونوا يريدون انتخابات ولا ديموقراطية ولا إصلاح ولا دولة.