بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 آذار 2026 12:20ص ماذا لو لم يزجّ الحزب لبنان بالحرب؟

حجم الخط
يتدحرج لبنان مجدداً إلى حافة الهاوية تحت وطأة تصعيد عسكري إسرائيلي مفتوح، يتجاوز في عنفه وضراوته قواعد الاشتباك التقليدية، ويضرب في العمق الاجتماعي والاقتصادي للدولة المنهكة أصلاً. مشاهد القصف الكثيف، والاغتيالات المتنقلة، والتوغل البري المتدرج، تقابلها موجات نزوح قسري من القرى الجنوبية والضاحية الجنوبية لبيروت، بأرقام أولية تقارب مئة ألف مهجّر مرشحة للتضاعف مع كل يوم نار جديد، كأن البلاد تُدفع دفعاً نحو فراغ شامل، أمني واجتماعي ومالي، يعمّق هشاشتها ويقوّض ما تبقى من قدرتها على الصمود.
في مواجهة هذا الواقع، يفرض السؤال الافتراضي نفسه بإلحاح: ماذا لو لم يدخل حزب الله الحرب والتزم سياسة النأي بالنفس، ولم يزجّ البلاد في أتون الحرب الإقليمية المشتعلة؟ ماذا لو قارب التطورات بمنطق الدولة اللبنانية ومصالح شعبه العليا، لا بمنطق الاشتباك المفتوح خدمةً لمحاور خارجية؟
لو حصل ذلك، لكان المشهد الوطني والأمني مختلفاً جذرياً. كان يمكن للبنان أن يحافظ على معادلة الحد الأدنى من الردع، وأن يتفادى تحويل أراضيه إلى ساحة مواجهة مباشرة. فالإلتزام بوقف العمليات العسكرية، وعدم فتح جبهة إسناد، كان سيحرم إسرائيل من الذريعة السياسية والعسكرية لتوسيع عملياتها. كما كان سيعزز موقع الدولة اللبنانية في مخاطبة المجتمع الدولي من موقع المتضرر لا الشريك في التصعيد، فضلاً عن حماية بيئة الحزب من ماسي التهجير والنزوح مرة أخرى.
اقتصادياً، كان يمكن للبنان أن يلتقط أنفاسه في مرحلة شديدة الحساسية، ويستعيد مركزه كوجهة آمنة ومستقرة في المنطقة،والتي تتعرض معظم بلدانها لقصف إيراني غادر. وكانت البلاد أمام فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها المالية، واستكمال مسار التعافي التدريجي، وإعادة تفعيل عجلة الاستثمار والسياحة. الاستقرار الأمني، ولو هشاً، يشكل شرطاً لازماً لأي نهوض اقتصادي. أما في ظل الحرب، فإن رؤوس الأموال تهرب، والمغتربون يترددون، والمؤسسات الدولية تجمّد برامج الدعم، ما يعمّق الانهيار بدل معالجته.
سياسياً، كان الالتزام بالنأي بالنفس سيعيد الاعتبار لمنطق الدولة الواحدة صاحبة قرار الحرب والسلم. كان سيعزز موقع الحكومة في الداخل والخارج، ويفتح الباب أمام إعادة بناء الثقة العربية والدولية بلبنان. كما كان سيخفف من حدة الانقسام الداخلي حول سلاح الحزب ودوره الإقليمي، ويمنح فرصة حقيقية لإطلاق حوار وطني جدي حول الاستراتيجية الدفاعية، ويوفر للحزب مكانة كفريق سياسي يحرص على الشراكة الوطنية وعلى سلامة الوطن.
المفارقة أن إيران نفسها، رغم خطابها التصعيدي، بقيت بعيدة عن الانخراط المباشر في حرب أيلول 2024، ولم تبادر إلى أي رد عسكري بعد اغتيال الأمين العام للحرب السيد حسن نصرالله. هذا السلوك البراغماتي يعكس أولوية حسابات الدولة الإيرانية ومصالحها الاستراتيجية على اعتبارات الثأر والانفعال. فكيف يستقيم أن يُزج لبنان  بمواجهة مفتوحة، فيما الدولة الراعية للحزب تحسب خطواتها بدقة وتتجنب الانزلاق؟
إن الإجابة عن السؤال الافتراضي لا تغيّر الواقع القائم، لكنها تكشف حجم الكلفة المترتبة على تجاوز منطق الدولة. فلبنان، بتركيبته الهشة واقتصاده المنهك، لا يحتمل أن يكون منصة لتصفية حسابات إقليمية. ولو تم الالتزام بسياسة النأي بالنفس، لكان بالإمكان تجنيب مئات آلاف العائلات كابوس التهجير، وحماية ما تبقى من مقومات الصمود الوطني، وإبقاء الأمل قائماً بإعادة بناء دولة سيدة مستقرة قادرة على حماية أبنائها، والعمل على تحرير ما تبقى من أرضها وفق القرارات الدولية، وبدعم من الأشقاء والأصدقاء، الذين صُدموا بإقحام حزب الله لبنان وأهله في هذه العملية الإنتحارية.