بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 آب 2025 12:05ص متى تعود الدولة إلى مدينة الشمس؟

حجم الخط
في تلك الليلة البعلبكية، أضاءت الألحان الرحبانية حجارة المعابد العتيقة، فاهتزت الأعمدة الرومانية على إيقاع الموسيقى الرائعة، وكأنها تستعيد همسات القرون الماضية. وبدا المشهد كأنه استحضار لأيام الستينيات الذهبية، حين كانت بعلبك عاصمة المهرجانات ومسرح النجوم الكبار، وملتقى الحضارات والثقافات.
لكن خلف هذا البريق العابر، تكمن حكاية مدينة ظلمها الزمان وأهملتها الدولة. بعلبك، التي شيدها الرومان لتكون "مدينة الشمس”، صارت في أذهان البعض عنواناً للمخدرات والعصيان والخروج عن القانون، وكأنهم تناسوا أنها تحمل على كتفيها إرثاً حضارياً يعتبر من نوادر التراث الإنساني. حجارتها الضخمة ليست مجرد آثار صامتة، بل صفحات من تاريخ الإنسانية، تشهد على عصور ازدهار كان فيها لبنان يختصر النور في الشرق.
إن ظلم بعلبك ليس قدراً، بل نتيجة سنوات طويلة من التهميش، حيث تركت مرافقها تتآكل، وطرقاتها تتشقق، وأهلها يعانون من البطالة وغياب الخدمات. هذه المدينة، التي تستطيع أن تجذب آلاف السياح سنوياً، تُركت وحيدة في مواجهة الفقر، وفي إطارصورة إعلامية مشوهة لا تعكس حقيقتها ولا نبض أهلها.
وحدها الفنون، كما في تلك الليلة الباهرة، استطاعت أن تكسر هذا الحصار النفسي، وتعيد إلى القلوب ذكرى بعلبك الحقيقية: مدينة للحياة، للإبداع، للفن، وللشمس التي لا تغيب. لكن هذا الحلم يحتاج إلى ما هو أكثر من أمسية ناجحة؛ يحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة تعيد لبعلبك موقعها الطبيعي، عبر ترميم آثارها، وتحسين بنيتها التحتية، وتشجيع الاستثمارات السياحية والثقافية.
إن إنصاف بعلبك يبدأ بإعادة الدولة إلى قلبها، حضوراً وخدمةً وأمناً، حتى تُطوى صفحة الظلم المزمن. حينها فقط، ستعود المدينة لتكون منارة الشرق كما كانت، تفتح ذراعيها لكل زائر، وتروي للعالم حكاية شعب أحب الحياة رغم قسوة الأيام.
بعلبك، مدينة الشمس، لا تزال هناك، تنتظر أن تشرق عليها إرادة الإنقاذ، لتستعيد دورها كجوهرة البقاع وموئل الحضارة، لا كعنوان للإهمال. فهي، كما كانت عبر التاريخ، وهي قادرة على أن تبهر العالم… متى توفرت إرادة الدولة  للنهوض بها من جديد.

د. فاديا كيروز