بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 كانون الأول 2025 12:00ص متى يكتب التاريخ الحقيقة اللبنانية؟

حجم الخط
أية حقيقة؟ فالحقيقة ليست ما يُقال… بل ما يُسمح له أن يُقال.
والتاريخ — كما يعلّمنا المؤرّخون— لا يكتبه الشرفاء ولا الشهداء ولا الأمهات اللواتي دفنَّ أولادهنّ، بل يكتبه الأبطال المصنوعون، أولئك الذين يسيطرون على السردية في زمنهم… حتى يتغيّر الزمن وتتبدّل الأدوار، فتخرج الحقيقة من بين الركام كشرارة لا يمكن دفنها.
سيكتب التاريخ يومًا—ولو بعد عقود—كيف رُسِمت خارطة سُمّيت لبنان على طاولةٍ لم يجلس عليها لبناني واحد.
كيف دُفِع الناس قسرًا إلى مربّعات طائفية صغيرة، وخُوِّف كل فريق من «وجود» الآخر…
كيف اختير «الأبطال» و«اللاعبون» و«الزعماء» بعناية، ليس ليحموا الوطن، بل ليُحكموا السيطرة عليه،
وليغتصبوا حقوق أهله،
ويُجرّدوهم من حلم الدولة وسلاح الوحدة،
ويزرعوا الفتن بينهم حتى لا يعودوا يعرفون من هو العدو ومن هو الصديق.
وسيدوّن التاريخ أيضًا كيف توّل لبنان إلى ساحةٍ للنزاعات الإقليمية والدولية:
اجتياحات… اغتيالات… حروب بالوكالة…
وملفات تُفتح وتُغلق وفق مصالح الآخرين لا وفق مصلحة الشعب.
وسيلحظ المؤرخون يومًا أن الفوضى لم تكن حادثًا عرضيًا، بل كانت أداة لضرب الذاكرة الجماعية وتشويه الوعي، عملاً بما قاله نعوم تشومسكي:
«السيطرة على الشعوب تبدأ بالتحكّم في روايتها لما يحدث حولها».
ولن ينسى التاريخ أن لبنان كان وطنًا بلا حدود مضبوطة،
وأن أرضه كانت مشرّعة لكل من يريد أن يطأها بلا إذن،
وأن سماءه وبحره وبرّه ظلّت مفتوحة أمام تعدّياتٍ لم تتوقف:
من يسرق مياهه،
من ينهب غازه ونفطه،
من يخطف شبابه،
ومن يهين سيادته…
كأن الوطن مباح لمن يملك القوة، ومحرّم على شعبه الذي يُمنَع حتى من الدفاع عن نفسه.
والمؤلم، بل المهين، أن اللبناني الذي فُرض عليه أن يعيش بين النيران هو نفسه الذي طُلب منه أن يصمت،
وأن يقبل بالاعتداءات وكأن حياته وحدوده وكرامته غير مستحقة للحماية.
أيُّ وطن في العالم تُنتهَك أرضه وتُغتصَب حدوده ويُطالَب أهله بأن يكونوا «متفرّجين» لا مقاومين؟
هذه وحدها جريمة سيكتبها التاريخ بحبرٍ أسود لا يمحوه الزمن.
ثم جاءت الصدمة التي فجّرت ما تبقى من صبر اللبنانيين…
انفجارٌ هزّ عاصمةً كانت يومًا درّة الشرق.
وبعده حصار مالي، اقتصادي، غذائي، بيئي، صحي…
انهيار طبقة وسطى، تراجع قيم، تهجير شباب، وضياع وطن لم يعد أبناؤه قادرين على تفسير ما يحدث فيه.
والتاريخ نفسه سيتوقّف طويلًا أمام هذا المشهد:
شعبٌ صمد بلا دولة،
وطنٌ يُحاصَر بلا حدود مرسومة،
وكرامةٌ تُستنزَف يومًا بعد يوم،
في انتظار «رصاصة الرحمة» التي قد تُنهيه… أو قد تُعيد إحياءه من جديد، كما ينهض طائر الفينيق من رماده.
لكن ما نعرفه يقينًا أنّ لا حال يدوم.
التاريخ—مهما تأخر—سينحاز يومًا إلى الحقيقة،
والحقيقة—مهما حُوصرت—ستظهر،
لأن الشعوب التي تُظلم بهذا الشكل لا تموت… بل تتغيّر.
حتى يتغيّر الحال…
صباح يحمل شيئًا من الأمل، ولو بقدر ما يحمله القلب من إيمان بأن الوطن يمكن أن ينهض إن نهض أبناؤه وبناته له.
صباح الخير يا وطني لبنان.
وصباح الخير لكل من ما زال يؤمن بأن القصّة لم تنتهِ بعد.

خلود وتار قاسم