بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 آذار 2026 12:20ص من يوقف الإنحدار إلى حرب داخلية..؟

حجم الخط
يشهد لبنان في هذه المرحلة الدقيقة تصاعداً خطيراً في وتيرة الاتهامات المتبادلة بين الدولة وحزب الله، على خلفية انخراط الأخير في الحرب الإقليمية المشتعلة، في خطوة تتجاوز بوضوح إرادة الدولة وموقف غالبية اللبنانيين. هذا التصعيد لا يمكن قراءته فقط في سياق الخلاف السياسي التقليدي، بل يحمل في طياته مؤشرات مقلقة على انزلاق تدريجي نحو تفكك داخلي، قد يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، أخطرها عودة شبح الحرب الأهلية.
إن فتح جبهة الجنوب تحت عنوان «إسناد إيران» لا يعبّر عن استراتيجية دفاعية وطنية متفق عليها، بل يعكس قراراً أحادياً يضع لبنان في قلب صراع إقليمي لا قدرة له على تحمّل تبعاته. فالدولة التي تعاني أصلاً من هشاشة بنيوية على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍّ وجودي يهدد ما تبقَّى من مؤسساتها وقدرتها على ضبط الإيقاع الداخلي.
المشكلة لا تكمن فقط في تداعيات المواجهة مع إسرائيل، على قسوتها، بل في الانعكاسات الداخلية لهذا الخيار. فالتباين الحاد بين موقف الدولة وخيارات الحزب يخلق انقساماً عمودياً داخل المجتمع اللبناني، يعيد إحياء خطوط التماس السياسية والطائفية التي لم تندمل جراحها بعد. ومع ارتفاع منسوب الخطاب التحريضي والتخوين المتبادل، يصبح خطر الانزلاق إلى صدام داخلي أمراً واقعياً، لا مجرد احتمال نظري.
ولا يمكن إغفال الكلفة الإنسانية والاجتماعية لمثل هذا المسار. فلبنان الذي لم يتعافَ بعد من أزماته المتراكمة، من انهيار اقتصادي غير مسبوق إلى تداعيات النزوح والبطالة والفقر، لا يحتمل موجة جديدة من الدمار والتهجير. أي توسُّع في رقعة المواجهة سيؤدي حكماً إلى نزوح جماعي من المناطق الحدودية، وتدمير إضافي للبنى التحتية، وتعميق معاناة اللبنانيين الذين يعيشون أصلاً على حافة الانهيار.
إن أخطر ما في هذا المشهد هو استسهال اللعب على حافة الهاوية، وكأن البلاد تملك فائض قوة أو قدرة على الصمود. في الواقع، لبنان اليوم أضعف من أي وقت مضى، وأي مغامرة غير محسوبة قد تدفعه إلى نقطة اللاعودة. من هنا، تبرز الحاجة الملحَّة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة واحتكارها لقرار الحرب والسلم، كمدخل وحيد لتجنيب البلاد الانزلاق إلى الفوضى.
التحذير من الحرب الأهلية لم يعد خطاباً مبالغاً فيه، بل قراءة واقعية لمسار يتغذى من الانقسام والارتهان للخارج. إن وقف هذا الانحدار يتطلب شجاعة سياسية ومسؤولية وطنية تعلو فوق الحسابات الإقليمية، لأن البديل لن يكون سوى خسارة ما تبقّى من وطن.