بعيداً عن ضجيج الحروب وأخبار المفاوضات التي استنزفت أعصاب اللبنانيين وأثقلت حياتهم اليومية، برز خلال اليومين الماضيين حدثان يحملان دلالات اقتصادية واستراتيجية تستحق التوقف عندها. الأول إقرار نظام «الإقامة الذهبية» للمستثمرين الأجانب في لبنان، والثاني إطلاق «مجلس الأعمال اللبناني ـ السوري المشترك»، بمبادرة نخبة من رجال التجارة والاقتصاد في البلدين.
قد لا تبدو هذه التطورات، للوهلة الأولى، بمستوى الآمال التي تراود اللبنانيين، ولا بحجم الأزمات التي يعيشها بلدهم، لكنها تحمل في طياتها إشارات مهمة بأن عجلة الاقتصاد بدأت تبحث عن مسارات جديدة للخروج من حالة الجمود الطويلة.
«الإقامة الذهبية»، التي إعتمدها العديد من دول العالم، من دبي واليونان شرقاً إلى البرتغال ودول أوروبية أخرى غرباً، وصولاً إلى بلدان جنوبي أميركا وجزر الكاريبي والمحيط الأطلسي، ليست مجرد إجراء إداري لمنح المستثمرين امتيازات إقامة طويلة الأمد، بل هي رسالة سياسية واقتصادية بأن لبنان يريد استعادة موقعه، كوجهة للاستثمار والأعمال والخدمات في المنطقة.
فالاستثمار يحتاج إلى الاستقرار القانوني، والضمانات والثقة بالمستقبل، وعندما تبادر الدولة إلى توفير هذه المقومات، ولو تدريجياً، فإنها تفتح الباب أمام استقطاب رؤوس الأموال والخبرات والمشاريع الإنتاجية، التي يحتاجها الاقتصاد اللبناني للنهوض من جديد، وتوفير فرص عمل لائقة للأجيال الشابة.
أما إطلاق «مجلس الأعمال اللبناني السوري المشترك»، فيكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات الإيجابية التي تشهدها العلاقات اللبنانية ــ السورية. فالجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية تجعل من التعاون بين البلدين حاجة متبادلة أكثر منه خياراً سياسياً. وإعادة تفعيل قنوات التواصل بين رجال الأعمال تتيح فرصاً جديدة للتبادل التجاري والاستثمار المشترك، والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، التي ينتظرها المشرق العربي خلال السنوات المقبلة.
لكن من الخطأ التعامل مع هذين الحدثين وكأنهما عصا سحرية قادرة وحدها على انتشال لبنان من أزماته المتراكمة. فالفرص لا تتحول إلى إنجازات إلا إذا ترافقت مع إصلاحات جدية، وإدارة شفافة، واستقرار سياسي وأمني، وقدرة الدولة على توفير بيئة جاذبة للمستثمرين المحليين قبل الأجانب.
ولكن تبقى أهمية ما جرى تكمن في أنه يعكس اتجاهاً جديداً في لبنان، ينسجم مع المناخ الإقليمي الذي يميل تدريجياً نحو التهدئة، وتغليب المصالح الاقتصادية على منطق الصراعات المفتوحة. وإذا أحسن اللبنانيون قراءة هذه التحولات، ووضعوا خلافاتهم المزمنة جانباً، واستثمروا ما تتيحه المرحلة من فرص، فإن الأيام المقبلة قد تحمل بداية مسار مختلف، لا يقوم على انتظار المساعدات أو التسويات الخارجية فقط، بل على إعادة بناء الثقة بقدرة لبنان على النهوض من جديد.
وربما يكون الأهم في هذين الحدثين أنهما يعيدان إلى اللبنانيين شيئاً افتقدوه منذ سنوات طويلة: الأمل الواقعي بأن المستقبل لا يزال يحمل فرصاً تستحق العمل من أجلها.