لم يعد صعود التفاهة ظاهرة اجتماعية عابرة، بل تحوّل إلى نظام سياسي غير معلن يعيد تشكيل المجتمعات بهدوء وفعالية تفوق أحيانًا أدوات السلطة التقليدية.
في زمنٍ مضى، كانت الدول تحتاج إلى السيطرة على الأرض. ثم أصبحت السيطرة على الاقتصاد هي الهدف. أما اليوم، فالسيطرة الحقيقية أصبحت على الوعي — وعلى ما يشغل عقل الإنسان يوميًا.
وهنا وُلد ما يمكن تسميته بـ نظام التفاهة.
لم يعد الطبيب أو المهندس أو الباحث صاحب التأثير الأكبر في المجتمع، رغم سنوات العلم والتضحية التي يقدمها. في المقابل، يتقدم المؤثر السطحي إلى الواجهة، لا لأنه الأكثر معرفة، بل لأنه الأكثر قدرة على جذب الانتباه داخل منظومة إعلامية واقتصادية تقوم أساسًا على الاستهلاك السريع.
الأمر ليس صدفة.
فالاقتصاد الرقمي الحديث لا يكافئ العمق؛ العمق بطيء وغير مربح. ما يحقق الأرباح هو الإثارة، الجدل، والصورة السريعة التي تُستهلك وتُنسى فورًا. وهكذا أصبح الإنسان مستهلكًا دائمًا للمحتوى بدل أن يكون منتجًا للفكر.
عندما ينشغل المجتمع بتفاصيل تافهة، تقل قدرته على طرح الأسئلة الكبرى:
من يحكم؟ كيف تُدار الثروات؟ لماذا تتسع الفجوة الاجتماعية؟ ومن يحدد مستقبل الدول؟
التفاهة هنا لا تُستخدم كترفيه فقط، بل كآلية تشتيت جماعي.
فالإنسان المرهق ذهنيًا بالضجيج المستمر يفقد طاقته النقدية. ومع الوقت، يصبح الرأي العام سهل التوجيه، لأن النقاشات العميقة تُستبدل بصراعات سطحية، والوعي السياسي يُختزل في شعارات وصور قصيرة.
وهكذا تتحقق معادلة خطيرة:
مجتمع شديد الاتصال… ضعيف التفكير.
لم تعد السلطة بحاجة إلى قمع العقول كما في الماضي؛ يكفي إغراقها بالمحتوى. فالعقل المشتت أقل خطرًا من العقل المعارض، والمواطن المنشغل بالمظاهر أقل ميلًا لمساءلة السلطة أو النظام الاقتصادي الذي يحدد مصيره.
الأخطر أن هذا النظام يعيد صياغة طموحات الأجيال الجديدة. فبدل أن يسعى الشاب ليصبح عالمًا أو صاحب اختصاص، يصبح الحلم هو الشهرة السريعة. ومع تراجع قيمة المعرفة، تتراجع تدريجيًا قدرة المجتمع على إنتاج النخب الفكرية القادرة على الإصلاح الحقيقي.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الكبرى:
نظام التفاهة لا يفرض نفسه بالقوة، بل بالقبول الجماعي.
نشارك جميعًا في ترسيخه عندما نمنح الاهتمام لمن لا يضيف قيمة، وعندما يصبح عدد المتابعين معيارًا للصدقية، وعندما تُستبدل الخبرة بالانتشار.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس الجهل، بل إعادة تعريف القيمة نفسها. فعندما يتساوى صوت العالِم مع صوت الضجيج، تصبح الحقيقة مجرد رأي بين آراء.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: لماذا انتشرت التفاهة؟
بل: من يستفيد من مجتمعٍ مشغول بكل شيء… إلا مستقبله؟
خلود وتار قاسم