بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 تشرين الأول 2025 12:00ص نظرية المؤامرة... بين الخديعة والعجز عن الفهم

حجم الخط
إن مجرّد طرح فكرة «المؤامرة» أو «الخديعة» في الفضاء العام هو بحد ذاته أحد أذكى الأسلحة في إدارة الشعوب. فعندما يُلقى الشك في العقول، يبدأ الانقسام بين من يؤمن بها ومن يرفضها، فيتحول الفكر الجماعي إلى ساحة صراع بين مهاجمٍ ومدافع، وكلٌّ يظن نفسه الأكثر وعيًا وذكاءً، بينما تُمرَّر المخططات الحقيقية بهدوء خلف هذا الضجيج.
هكذا تُصاب الأمم بفوضى فكرية تُفقدها «الشنكاش» — بوصلتها الذهنية — فتغرق في تحليلاتها ومجادلاتها، تُهاجم أشخاصًا وتدافع عن آخرين، تبني قناعاتها على ما تبثه الشاشات لا على ما تنتجه العقول.
لقد نسينا أن الدول لا تُبنى على الحدس والارتجال، بل على العلم — فإذا غاب العلم، تحولت الدولة إلى نسخة مشوّهة من لبنان الذي نعرفه: وطن يملك طاقات بشرية هائلة لكنه يفتقد النظام والمعيار العلمي في التفكير والإدارة.
المؤسسات لا تنهض بالشعارات، بل بالمنهجية العلمية؛ وإن غابت هذه الأخيرة، تسقط في فوضى تشبه فوضانا.
نحن نعيش بعقلية عاطفية، طائفية، مليئة بالأحقاد الصغيرة، ونظنها «وطنية»، بينما هي أبعد ما تكون عن الانتماء للأرض والكرامة الإنسانية.
هل ندرك أن عدونا — الذي نحاربه بالشعارات — هو من أكثر الدول تقدمًا في العلوم الدقيقة، من الفيزياء إلى علم النفس الجماعي؟
هل نعلم أن «العلم» لا يعني التكنولوجيا فقط؟ بل يشمل علوم التحكم بالعقول، والتأثير الاجتماعي، والتلاعب بالوعي الجمعي؟
هل نعلم أن السيطرة لم تعد عسكرية فقط، بل عقلية، إعلامية، سيكولوجية، وحتى بيئية؟
نحن لا نعرف...
لا عن علم الفضاء وتأثيره،
ولا عن علم النفس الجماعي،
ولا عن الحروب البيولوجية والبيئية،
ولا عن التكنولوجيا التي تُصمم لتستنزفنا قبل أن تُباع لنا.
نحن نعيش في مختبر عالمي ضخم، كأننا عيّنات في أنبوب تجارب.
كل ما يُطرح أمامنا من «ابتكارات» هو منتجات استُهلكت في الدول المتقدمة، جُرّبت، واستُنزفت فائدتها، ثم أُرسلت إلى «العالم المتأخر» ليعيش وهم الحداثة وهو يبتلع ما تبقّى من فضلاتها الفكرية والتقنية.
لقد عطّلنا نعمة «العقل» واستبدلناها بعقل الجماعة، وعجزنا عن السؤال الحقيقي:
كيف ننتصر في عالم يُدار بالعلم بينما نحن نعيش بردّات الفعل؟
نعم، نحن في مأزق حضاري عميق.
وحين يصل البشر إلى هذا الحد من التيه، لا يُنقذهم سوى «معجزة» — تدخل خارق للطبيعة — أو عودة صادقة إلى جوهر الخلق: العقل، العلم، والوعي.

خلود وتار قاسم