يتجه الوضع اللبناني إلى مزيد من التعقيد على وقع التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل، وما يرافقه من تداعيات ثقيلة تضغط على الداخل اللبناني اجتماعياً وسياسياً وأمنياً. فالغارات والقصف المستمران لا يقتصر تأثيرهما على الخسائر المباشرة، بل يفتحان الباب أمام أزمة إنسانية متفاقمة مع تزايد موجات النزوح من المناطق المستهدفة، ولا سيما من الضاحية الجنوبية لبيروت والمناطق الحدودية.
إلى جانب هذه الأزمة الإنسانية، برزت قضية أثارت موجة استياء واسعة في الداخل اللبناني ولفتت انتباه الأوساط الدولية، تمثلت في قرار المحكمة العسكرية الإفراج عن ثلاثة من عناصر حزب الله كانوا موقوفين بتهمة نقل أسلحة بشكل غير قانوني. فقد جاء إطلاق سراحهم بعد جلسة وصفت بأنها شكلية، مقابل كفالة مالية متواضعة للغاية، الأمر الذي اعتبره كثيرون مؤشراً إضافياً على استمرار مظاهر الازدواجية في تطبيق القانون وعلى نفوذ ما يُعرف بـ"الدولة العميقة" في إدارة بعض الملفات الحساسة.
هذه الواقعة أعادت تسليط الضوء على الإشكالية الأعمق المرتبطة بدور حزب الله المثير للجدل في الحياة السياسية والأمنية اللبنانية، وبالانعكاسات التي يتركها تفرُّد الحزب بقرارات مصيرية تتعلق بالحرب والسلم. فاستمرار انخراط الحزب في المواجهة العسكرية مع إسرائيل، ضمن سياق الصراع الإقليمي الأوسع، ووفق الأجندة الإيرانية، يضع لبنان بأكمله في دائرة الاستهداف ويزيد من حجم الضغوط والتهديدات التي يتعرض لها البلد، في وقت يعاني فيه أصلاً من هشاشة اقتصادية ومؤسساتية غير مسبوقة.
وفي موازاة ذلك، تتزايد التسريبات والتكهنات حول ضغوط دولية، وخصوصاً أميركية، تتعلق بملف القيادة العسكرية ودور الجيش اللبناني في التعامل مع مسألة السلاح خارج إطار الدولة. هذه الأحاديث، سواءٌ كانت دقيقة بالكامل أم لا، تعكس حجم القلق الدولي من هشاشة الوضع اللبناني ومن تعقيدات المشهد الأمني والسياسي في البلاد، نتيجة عدم تنفيذ قرارات الحكومة بحصرية السلاح وإعتبار أي عمل عسكري للحزب خارج عن القانون.
يتمسك حزب الله بموقفه المعلن بالاستمرار في المواجهة العسكرية ضمن ما يُعتبر "حرب إسناد لإيران" ، في حين يسعى رئيس الجمهورية إلى فتح نافذة دبلوماسية عبر مبادرة للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار. غير أن التباعد الواضح بين المسارين العسكري والسياسي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد اللبناني.
إن تفرُّد حزب الله بقرار الانخراط في هذه المواجهة، لا يضع الحزب وحده في دائرة المخاطر، بل يضع لبنان كله في مرمى الاستهداف والتهديدات.
لقد أثبتت التجارب أن لبنان هو الحلقة الأضعف في صراعات المنطقة، وأن أي انزلاق إلى مواجهة واسعة سيدفع اللبنانيون جميعاً كلفته من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم الاجتماعي. لذلك فإن استمرار هذا المسار من دون إعادة الاعتبار لدور الدولة وسيادتها على قرارها الوطني يهدد بتحويل الأزمة الراهنة إلى مرحلة أكثر خطورة قد تتجاوز حدود المواجهة العسكرية الراهنة لتطال مستقبل الاستقرار اللبناني برمته.