سماحة الشيخ علي الخطيب(*)
بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، نورد الكلام اولا في بيان اهميته، وثانيا في اهمية الاستفادة منه في اصلاح امورنا الاجتماعية والتربوية والاخلاقية والاقتصادية.
أما في ما يختص ببيان اهميته، فليس بخافٍ على احد اولا ورود ذكره في الايات الكريمة والروايات. اما الايات التي ذكر فيها فقوله تعالى:
( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ).
ففيها بيان لاهميته وعظمته من حيث كان زمانا لنزول القرآن فيه .هذا من جهة ومن جهة أخرى كان محلا لفريضة الصوم التي هي احدى فرائض الاسلام، بحيث اقترن هذا الشهر بها ،وهو المقصود بآية التشريع لها ،وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) مع الاخذ بعين الاعتبار ان الصوم احد فرائض الاسلام الذي يعد منكره خارجا عنه .فهو لا يعد مسلما إن أنكر وجوبه وانه احد فرائض الاسلام ،حتى لو أقر بكل الشروط الاخرى، وهو محل اجماع المسلمين ولا خلاف فيه،ما يدل كل ذلك على اهمية هذا الشهر وعناية الله تعالى به.
واما ما ورد في السنّة النبوية والروايات عن رسول الله)( ص) فالروايات لا حصر لها، ونكتفي بما ورد في الخطبة المشهورة المروية عن امير المؤمنين (ع) عن رسول الله (ص) في استقبال شهر رمضان «إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات».
فقد اسماه ص بشهر الله ،وليس ادل على عظمة هذا الشهر من ان يختص بأنه شهر الله من بين الشهور، مع ان كل الشهور هي الله تعالى، ولكن تخصيصه في الرواية أنه شهر الله من بينها، ليس الا أشارة الى خصوصيته الخاصة من بينها في الافضلية والتشريف. وقد اشار ص الى ذلك بقوله «شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات».
هذا من حيث اهميته الذاتية، واما من حيث ما يترتب عليه ،فقد بيّن ذلك بقوله انه حين يقبل فهو يأتي معه بالخير والبركة والرحمة الالهية التي استهل بها رسول الله هذه الخطبة، تحبيبا للمؤمنين به، وحتى لا يستثقلوا الصوم لما فيه من مشقة على النفس، من الامتناع عن اللذائذ وما تشتهي الانفس من الطيبات، وما اعتادت عليه في باقي اشهر السنة ،فأراد تعالى ان يبيّن للناس ان ما يأتي به شهر الصوم من الخيرات والبركات والرحمة الإلهية اكبر نفعا واعظم شأنا مما يفوته فيه.
ثم فصل بعد ذلك المقصود من كل ذلك بقوله ص «هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب».
فهم قد دعوا في هذا الشهر لضيافة الله، وأي تكريم لهم فوق هذا التكريم ان يكونوا في هذا الشهر ضيوفا على الله تعالى وعلى مائدته، وأن يكونوا في حالة عبادة دائمة حتى النفس الذي هو عمل ميكانيكي آلي يحسب لهم،وكذلك نومهم الذي هو غير ارادي او اختياري كما هو عملهم العبادي الإرادي.
وبعد ان يقدم لهم هذه المقدمة، تشتاق له نفوسهم ويتبدل حالهم من النظرة المتشائمة من كون الصيام مشقة على النفس ،الى استقباله بانشراح نفسي فيهيؤهم نفسيا للقيام بهذه الفريضة باقدام ورضى واختيار يخطو معهم خطوة متقدمة، وهي استغلال هذه الفريضة لتعزيز التربية الروحية والعلاقة مع الله ليوجد فيهم المناعة الروحية امام المغريات الشيطانية، وليقووا على هذه المقارعة مع النفس الامّارة بالسوء التي هي الجهاد الاكبر.
فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، باللجوء الى الدعاء والى تلاوة القرآن لما فيها من معارف الهية في تعميق القناعة الفكرية التي هي الاساس الاولي في المواجهة، فمن ضعفت معرفته بالله كان ايمانه سطحيا وتربيته الروحية ضعيفة ،وسيسقط في اول خطوات المواجهة. فسلاحه في هذه المواجهة هي اولا مع نفسه (اعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك ) ومن كانت نفسه عدوه فهو اضعف الخلق. ولذلك لا بد له من ترويضها بالطاعات بعد المعرفة بالله تعالى ثم القيام بخطوات عملية اجتماعية واقتصادية تعود على المجتمع بالترابط والتآزر والقوة والاندفاع نحو الخير والابتعاد عن الشر ،تقربهم الى الله وتجعل بينهم وبين الشيطان ونهجه في سلوك الشر حاجزا نفسيا وعمليا
قال ص:«واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنها أفضل الساعات، ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.
«أيها الناس، إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم، فخففوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أن الله تعالى ذكره أقسم بعزته أن لا يعذب المصلين والساجدين، وأن لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين».
«أيها الناس، من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر، كان له بذلك عند الله عتق نسمة ومغفرة لما مضى من ذنوبه». فقيل: يا رسول الله، وليس كلنا يقدر على ذلك. فقال صلى الله عليه وآله: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء. أيها الناس، من حسن منكم في هذا الشهر خلقه، كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه، ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أدى فيه فرضا كان له ثواب من أدى سبعين فريضة في ما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلاة علي، ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين، ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور. أيها الناس، إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة، فاسألوا ربكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة، فاسألوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فاسألوا ربكم أن لا يسلطها عليكم».
قال أمير المؤمنين عليه السلام: فقمت فقلت: يا رسول الله، ما أفضل الأعمال هذا الشهر ؟ فقال: يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل...»
هذ هو البرنامج العملي الذي وضعه لنا رسول الله ص في شهر رمضان، وكيف لنا ان نستغل هذا الوقت المبارك في الارتقاء بمعرفتنا وتربية نفوسنا وتقوية مجتمعنا لمواجهة الشر في نفوسنا وتوجهيها نحو الخير، كي ننقذها من الشيطان المتربص بنا عدونا ومن عرفنا ربنا بحقيقته وامرنا باتخاذه عدوا.
قال تعالى ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
فليكن هذا الشهر المبارك فرصة لنا لمعالجة مواطن الضعف فينا بالخروج من العصبيات الطائفية والعودة الى رحاب شهر رمضان الذي اخرج عن وظيفته العبادية الاصلاحية والتقوائية والتوحيدية، ليكون مسرحا ومرتعا للفساد الاخلاقي والتفريق والفتنة بين ابناء الامة والمجتمع، طاعة للشيطان وجنوده
الذين يمعنون تضليلا وتخريبا في الفكر والثقافة والتربية ولنستغل هذه الفرصة في معالجة ما خربه العدو نفسيا وروحيا وماديا في مجتمعاتنا العربية والاسلامية حتى نتمكن معا من مواجهة متطلبات المرحلة القادمة التي يقودها اعداؤنا بشكل فاجر، ويمارس العدو بغطرسة العدوان على بلدنا وامتنا ،وفي المقدمة عدوانه الوحشي ومشاريعه الاستيطانية واستضعافه للشعب الفلسطيني وتهديده العملي باقتلاعه من غزة والضفة الغربية وتوسعه على حساب لبنان وسوريا بعدما امعن قتلا وتخريبا بغزة ولبنان وحصارا على الشعبين اللبناني والفلسطيني منعا لاعادة البناء والاعمار الا بشروط سياسية ينبغي ان يتكاتف اللبنانيون لمواجهتها وما خلفه العدوان البربري من جراح وايتام تحتاج لنا جميعا لتلتئم فنكون قد ادينا رسالة شهر الصيام وخطبة رسول الله سيد الخلق محمد ص وكلام الله تعالى لعلكم تتقون ( يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ).
صدق الله العلي العظيم