يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}، وجاء في تفسير هذه الآية الكريمة: [{لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي والله لقد أنعم الله على المؤمنين حين أرسل إِليهم رسولاً عربيًّا من جنسهم، عرفوا أمره وخبروا شأنه، وخَصَّ تعالى المؤمنين بالذّكر وإِنْ كان رحمة للعالمين؛ لأنّهم هم المُنْتفعون ببعثته {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} أي يقرأ عليهم الوحي المُنَزَّل {وَيُزَكِّيهِمْ} أي يُطَهّرهم من الذّنوب ودنس الأعمال {وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة} أي يُعلّمهم القرآن المجيد والسُّـنَّة المُطَهَّرة {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} أي وإِنّه الحال والشَّأن كانوا قبل بعثته في ضلال ظاهر، فَنُقلوا من الظُّلمات إِلى النّور، وصاروا أفضل الأمم].
يعيش المسلمون في هذه الأيام في ظلال أيامٍ مباركة من شهر ربيع الأول، يَتَفيَّأُون ظلالها، ويتعلّمون من دروسها وَعِظَاتها، وعندما يهلّ هلال شهر ربيع الأول في كلّ عام، يتذكَّر المسلمون ميلاد حبيبهم ورسولهم محمد صلى االله عليه وسلم، فهو رسول البشرية بِأَسْرِها، ومثال الإنسانية في أتمّ صُوَرِها، وهو رحمة الله للعالمين وخاتم النبيين.
الأسوة الحسنة
لقد كانت سيرته - صلّى الله عليه وسلّم - قدوةً للمسلمين في كلّ شيء؛ لذلك فإِنَّ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يحرصون على اقتدائهم بصاحب الذّكرى - صلّى الله عليه وسلّم - وسَيْرِهم على هَدْيه - عليه الصّلاة والسّلام -، حتى يُحَقّقوا خيريَّتَهم في هذا العالم؛ لأنّه لن تتحقّق خيريَّتُهم إِلّا باتباع هديه وتعاليمه - عليه الصّلاة والسّلام -؛ لقوله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}، كما تَوَعَّدَ الله سبحانه وتعالى المُعْرضين عن هديِ رسوله صلى االله عليه وسلم، المُخالفينَ أمْرَهُ بالعذاب الأليم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
ومن المعلوم أَنَّ الله سبحانه وتعالى قد حفظ نبيَّه صلى االله عليه وسلم من كلّ شيء لا يليق بمقام النّبوّة، فنشأ على أكمل ما تتحلّى به النّفوس من محاسن الأخلاق، فقد رفع -عليه الصّلاة والسّلام- من شأن الأخلاق في حياة الإنسان، حيث دعا إلى مكارم الأخلاق وحَثَّ على التّمسّك بها، فكان خيرَ قُدوة لأُمَّته.
كم نحتاج في هذه الأيام وفي بلاد المسلمين جميعاً لطرح السؤال التالي: أين هم من حياة رسول الله أخلاقاً والتزاماً ورسالة؟ هل أصبح الدين غريباً كما بدأ، وأصبح المسلم الإنسان المتخلّف بعد ان كان المسلم الحق هو المصدر للثقة والأخلاق والقِيَم والدين والالتزام، وبعد أن أصبح الدين شعاراً وفقدنا كل المقومات من البرّ للوالدين إلى صدقية التعامل بين البشر عموماً إلى انقطاع الصلة بين الأقارب والأرحام إلى تفشي مرض العقوق للوالدين؟ سنطرح الآن سؤالنا: هل هؤلاء مسلمون حقاً؟ نقول لا، فخير أمة أناس عرفوا الطريق فسلكوه وقرأوا القرآن ففهموا وعرفوا محمّداً صلى االله عليه وسلم النبي الرسول الرحمة المهداة فاتبعوه.
سؤال ضروري
كم نحتاج بشهر المولد أن نسأل أنفسنا أين نحن من المولد من الالتزام الصادق وهذه الاحتفالات التي تقام مع فرق الإنشاد والطبول والدفوف مع ضياع المضمون، هل هذا هو الاحتفال الحق؟ نقول لا وألف لا، ليت المسلمين اليوم يجدّدون التزامهم ليكونوا نموذجاً للدنيا كل الدنيا يتباهى العالم بأخلاقهم وبفطرتهم، تفرّقنا اليوم، تمزّقنا اليوم، التناحر فيما بيننا اليوم أدّى كل ذلك إلى سقوط كلمة مسلم وضياع مفهومها الصادق حتى حوكم الإسلام بصورة المسلمين. وقال: لقد منح الله سيدنا محمد صفاتا وفضائلَ حاز على كمالها، ومن الآداب أرفعها، ومن الأخلاق أزكاها وأنبلها، ومن الشمائل أجمعها وأزكاها، كيف لا وقد قال الله في حقّه {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، إن أعظم من جلّى لنا صفاته وأخلاقه بعد القرآن هي زوجه الصدّيقة بنت الصدّيق حيث أجملت أخلاقه وصفاته، وأظهرت لنا فضائله وآدابه فقالت رضي الله عنها وأرضاها: (كان خلقه القرآن)، نعم لقد ترجم معاني القرآن وآياته إلى واقع عملي ملموس في حياته، ولذلك أمرنا الله أن نقتدي به ونقتفي أثره، ونسلك دربه في هديه وسمته، وسماحته وعفوه، وجوده وكرمه وشجاعته وبطولته، وعبادته وزهده وورعه، وخشيته وخوفه وفي حيائه وعطفه ورحمته، واعتداله ووسطيته، وفي وعظه وخطبه، وفي تعامله مع الناس أجمعين بل وفي شأنه كله. واختتم: نقول للمسلمين عموماً عودوا إلى رسول الله صلى االله عليه وسلم الرحمة المهداة فكونوا الأخوة المتحابين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسم بالسهر والحمى، اليوم نبكي على الإسلام بعد ان ضاع ونبكي على المسلمين بعد أن اندثروا وبقي منهم صور، وإذا شئنا أن ندخل في التفاصيل فالأمر مخزٍ ومحزن وهذا للعموم وليس للخصوص، فنقول للمسلمين خاصة جدّدوا إسلامكم، وعودوا إلى الله صادقين فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محزنون.
* مدير إذاعة القرآن الكريم من لبنان