بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 كانون الثاني 2025 12:00ص السعي للتغيير نحو الأفضل.. سُنّة كونية أمرنا بها الله

حجم الخط
يقول الله تعالى في كتابه الكريم {إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، هذه الآية المباركة التي تخبر الناس عن سنّة من سنن الله تعالى في الكون، فالتغيير نحو الأفضل قاعدة قرآنية ذهبية ما أهملها قوم إلّا وازدادوا سوءا وخسرانا..
ونتحدث عن التغيير في هذه الأيام لأننا فعلا بحاجة إليه.. ليس على مستوى القادة فحسب بل وأيضا على مستوى الفكر الجماعي التي انتشر في البلاد وساد بين الناس حتى بات عالة على إنسانيتنا فعطّل دورنا وشوّه مجتمعنا..
هذه الآية أنها تخاطب الفرد والجماعة لتقول لهم إن الله تعالى قد عرّفهم طريقَ تغيير المنكر والفساد والتخلّف في هذه الدنيا، وأي تقصير أو تخاذل عن السير في هذا الطريق سيؤدي إلى استقرار لكل خبث في المجتمع، و{حتى يغيّروا} هي دعوة ربانية لالتزام فضيلة التغيير الذي جعله المولى تبارك وتعالى سنّة الكون وقيّد به تقدّم الأمة نحو الأفضل..
إن خطورة غياب هذه الآية بأبعادها ومفاعيلها عن فكر الناس أنها تصل بالفرد وبالجماعة إلى مرحلة العيش في حياة (إبليسية) تستقر فيها الآفات والخبائث وتقبل فيها الرذائل، فتشيع بين أفرادها الفواحش ويزداد الظلم والقهر والفقر والتسلّط... ثم لا أحد يريد التغيير، بل إن غياب هذه السنّة الربانية يقلب الأمور حتى يصبح المنادي بالتغيير والرافض للفساد وكأنه هو (الشيطان الرجيم) بينما من يشجّع على الخنوع والخضوع والذلّ والفساد هو (المخلص)..؟!
التغيير الذي أمرنا به الحق جلّ وعلا في كتابه الكريم فقال {إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} هذا التغيير أصبح ذنبا يحاكم المرء على فحش ارتكابه، لأن فلسفتَه الإسلامية وأبعادَه الإيمانية غابت عن النفوس وعن الفكر، ولأن الثقافة الإسلامية التي تعتبر التغيير أساسا لكل تقدّم وضماناً لحسن سير الأمم في طريق مستقبلها للأسف اختفت وغابت تماما.. وهذا ما نراه في المجتمع اليوم..؟!
التغيير من أسرار النجاح
التغيير أيها السادة.. يعني الحركة الإيجابية، ويعني تجديد التفاعل بشكل مستمر وبنّاء مع معطيات الحياة، ويعني عدم الركود، ويعني مراجعة النفس والأفكار والسلوكيات والمفاهيم بشكل دوري حتى نميّز الخبيث من الطيب، ولذلك هو شرع الله للأمة، وسنّة الله في الكون ، ودعوة النبي صلى االله عليه وسلم للمسلمين إلى يوم القيامة..التغيير.. هو ضمان لحسن تفاعلنا مع كتاب الله وأيضا هو ضمان لحسن بناء المستقبل..؟!
فهو يعني أولا أن نقوم كأفراد وكمجتمع بعرض مستمر لكل ما في هذه الحياة على ميزان الشرع.. فما وافق الإسلام استمرينا به وما خالفه رفضنا وأصلحناه...؟!
ثم تدبّروا ألفاظ الآية الكريمة {حتى يغيّروا ما.. بأنفسهم}، أي أن التغيير هو أولا أمر إيماني لا بد أن يستقر في نفوس الناس حتى يصبح قناعة دينية راسخة وثابتة لنستطيع أن نترجمه بعد ذلك أعمالا، وبالتالي من رفض فسلفة التغيير هو يرفض حقيقة دينية، ويرفض انسياق النفس مع الخط الإسلامي العام الذي فيه صلاح الفرد والمجتمع..
ثم.. هذه الآية تعبّر لنا عن حقيقة كونية تقول أن التغيير كخط إسلامي عام ليس أمرا موسميا ولا أمرا استثنائيا، ليس أمرا محصورا في اتجاه معيّن بل هو حركة إيمانية شاملة ومتكاملة ومستمرة يصل أثرها إلى كل شيء في حياة الناس..
منع الأذى عن الطريق تغيير.. 
التّصدّق بشق تمرة تغيير.. 
الإصلاح بين الناس تغيير..
رفض الظلم والفساد تغيير..
محاربة الجبابرة والمتسلّطين تغيير..
مجاهدة النفس ومنعُها عن ارتكاب ما حرّم الله تغيير..
الالتزام بالقانون العام تغيير..
التقيّد بإشارات السير تغيير، وهكذا حتى نصلح أمر المجتمع كله، وبالتالي من يرفض هذا التغيير نحو الأفضل، هو يرضى بالاستسلام لكل منكر وفساد، وهو عدو لنفسه ولدينه ولأمته ولمجتمعه، وهو أيضا عدو لماضيه ولحاضره ولمستقبله، لأن من عجز عن تغيير نفسه لن يكون أبدا مشاركا في حسن صياغة مستقبله ومستقبل أبنائه..؟!
لا يعني هذا الكلام أن يكون التغيير عملية عبثية أو فوضوية، بل لا بد أن ننطلق - كحقيقة إيمانية إنسانية حضارية - في أعمالنا من خطة واعية، ومنهجية واضحة، وأهداف شرعية محددة.
{إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} آية توقظ روح المسؤولية في نفس كل إنسان ليشارك إيجابا في بناء غد أفضل لنفسه.. ولأولاده.. ولأهله.. وللمجتمع كله، ومن أَبَى فهو أول المتضررين وأول الخاسرين..؟!
أخبار ذات صلة