مفتي بعلبك الهرمل الشيخ بكر الرفاعي
في عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتشابك فيه قنوات الاتصال بشكل غير مسبوق، برزت الشائعات والأخبار الكاذبة والمفبركة كأحد أخطر التحدّيات التي تواجه المجتمعات الإنسانية. لم تعد مجرّد أقاويل عابرة، بل تحوّلت إلى أدوات قد تُستخدم بشكل ممنهج، تنتشر بسرعة تفوق سرعة الضوء عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، مستغلةً سهولة النشر والفضول البشري. صحيح أن الأخبار ونقلها كان موجوداً دائماً، ففي عهد النبي # كانت الأخبار تنتقل، وكثيراً ما تتعلق بالأشخاص وتقييم مواقفهم، لكن المسألة اليوم أضحت أشدّ تعقيداً وخطورة؛ فوسائل الإعلام الجماهيرية ومنصات التواصل الاجتماعي تضخّم الأثر وتسرّع الانتشار بشكل هائل.
وقد امتلأت هذه الوسائل مؤخراً بالأخبار الملفّقة والمبالغ فيها المتعلقة بالحروب والكوارث، مما سبب حالة من الهلع والرعب الشديدين في نفوس الناس، حتى إن بعض العائلات، بناءً على هذه الشائعات، بدأت تعدّ نفسها للنزوح والتشرّد خوفاً مما لا حقيقة له بالضرورة. تعمل هذه الأخبار كفيروسات فكرية تصيب العقول، هدفها الأساسي هو تقويض الثقة، وبثّ الفرقة، وزرع بذور الخوف، وهو ما حذّر منه الإسلام حين أمر بعدم اتباع ما ليس للمرء به علم يقيني، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} ليؤكد على مسؤولية الإنسان عن كل ما يتلقّاه ويصدّقه وينقله.
الآثار النفسية العميقة للشائعات
يتجاوز تأثير الشائعات، وبخاصة تلك التي تلامس مخاوف الإنسان الأساسية كالحروب والأوبئة والكوارث، مجرد الإزعاج العابر ليترك ندوباً نفسية عميقة. فالأخبار التي ترسم صورة قاتمة لمستقبل مجهول، وتتحدث عن «حرب تأكل الأخضر واليابس»، تُغرق الأفراد في دوامة من القلق الوجودي والخوف المستمر. هذا الشعور الطاغي بالعجز وفقدان السيطرة يؤدي إلى تآكل الإحساس بالأمان، ويسبب اضطرابات في النوم، ويزيد من مستويات التوتر، وقد يتطور إلى حالات من الاكتئاب واضطرابات الهلع. يجد الإنسان نفسه أسيراً لترقّب ما هو أسوأ، مما يُضعف قدرته على التركيز والإنتاجية والتفكير السليم، ويؤثر سلباً على علاقاته الاجتماعية. وفي هذا السياق، يأتي التوجيه الرباني بالسكينة والطمأنينة بذكر لله كملاذ آمن، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، ففي ذكر لله حصن من الخوف ودرع من وساوس القلق التي تثيرها الشائعات.
الشلل المجتمعي والتفكّك الاجتماعي
تمتد أذرع الأخطبوط السامة للشائعات لتشلّ حركة المجتمع وتُضعف نسيجه. فعندما تنتشر أخبار مرعبة عن حرب وشيكة أو كارثة محتملة، تتأثّر كافة مناحي الحياة. قد يُحجم الناس عن ممارسة حياتهم الطبيعية خوفاً من المجهول، فتقلّ الحركة في الأسواق والشوارع، وتتعطّل المصالح، ويتأثر الاقتصاد سلباً نتيجة تباطؤ الإنتاج والاستهلاك والاستثمار. كما يؤدي الخوف إلى سلوكيات غير رشيدة كالتهافت على تخزين السلع والمواد الغذائية بشكل هستيري، مما يسبب نقصاً مصطنعاً وارتفاعاً جنونياً في الأسعار يزيد من معاناة الجميع. الأخطر من ذلك، هو أن الشائعات قد تُستخدم لإثارة الفتن بين مكونات المجتمع الواحد، أو لتأليب فئة ضد أخرى، مما يزرع بذور الشقاق والعداوة ويُضعف التماسك الاجتماعي، وهو ما حذّر منه الإسلام أشدّ التحذير، مؤكداً على الأخوة الإيمانية، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، إن الحفاظ على وحدة الصف وتجنّب إلحاق الضرر بالآخرين، حتى بالكلمة، هو من صميم مقاصد الشريعة، وقد قال النبي #: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه).
منهج التبيّن والتثبّت
في مواجهة هذا السيل الجارف من المعلومات المغلوطة، يقدّم الإسلام منهجاً متكاملاً يقوم على أسس راسخة من التثبت والتحقق والمسؤولية. الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} تُمثل دستوراً إعلامياً وأخلاقياً لا غنى عنه. والمقصود بـ«الفاسق» هنا، كما ذكر أهل التفسير، هو من خرج عن طاعة لله، وربما من خرج من عباءة الإيمان فصارت ساحته مكشوفة لكل المعاصي والآثام، وبالتالي لا يمكن الركون إلى خبره دون تحقق وتمحيص. وأمر لله بـ «التبيّن» وهو طلب الحقيقة بوضوح وجلاء، وليس مجرد شك عابر، بل هو عملية استقصاء وتحقق وتأكّد من صحة الخبر بكل وسيلة ممكنة قبل قبوله أو نقله أو التصرف بناءً عليه.
والهدف من هذا التبيّن هو تجنّب الوقوع في «الجهالة»، أي التصرف بغير علم أو حلم، أو بطريقة ارتجالية تفتقر إلى الحكمة والرويّة. فالجهالة هنا تعني أن ترمي الآخرين بتهم أو تتخذ مواقف عدائية ضدهم بناءً على خبر غير مؤكد، بدون وجه حق، فتصبح حينئذ ظالماً لهم، مديناً باعتذار أو تعويض، ويصير الحق لهم عليك، وتكون أنت في موقف الضعف والخطأ والسلبية. وهذا ما يؤدي مباشرة إلى النتيجة المذكورة في الآية: {فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، والندامة حسرة عظيمة على فعلٍ تم في غير موضعه وأدّى إلى نتائج وخيمة.
ولنا في السنّة النبوية المطهرة تطبيق عملي رائع لهذا المبدأ. فحين بعث النبي # الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم، فلما كان قريباً منهم، خاف - لسبب ما في نفسه أو لعداوة سابقة - فرجع إلى النبي # وقال إن القوم ارتدّوا ومنعوا الزكاة وأرادوا قتله. فهمّ النبي # بأن يغزوهم بناءً على هذا الخبر الخطير. وهنا يظهر تطبيق مبدأ التبيّن؛ فلم يتسرّع النبي عليه الصلاة والسلام، بل أرسل خالد بن الوليد ليتحقق من الأمر ويتثبّت. ذهب خالد رضي لله عنه، وتصرف بحكمة؛ اقترب منهم ليلاً، وبثّ عيونه، فسمع أذانهم وصلاتهم، ورأى تعظيمهم لأمر لله، وفي الصباح التقى بهم وسألهم، فأخبروه أنهم خرجوا لاستقبال رسولِ لله إكراماً له وللنبي، ونفوا تماماً ما ادّعاه الوليد. فعاد خالد بالخبر اليقين، فنزلت الآية الكريمة.
من هذه الحادثة نستلهم وصايا نبوية عملية في التحقق والتثبّت:
• عدم التسرّع: لا تتخذ قراراً أو موقفاً بناءً على خبر أولي، خاصة إذا كان من مصدر قد يكون له مصلحة أو يشعر بالخوف أو العداوة.
• التحقق الميداني: كلما أمكن، حاول الوصول إلى مصدر المعلومة أو التحقق منها على أرض الواقع، بالمشاهدة أو الاستماع المباشر.
• إرسال الثقات: استعن بأهل الخبرة والحكمة والموضوعية للتحقق من الأمور الهامة، كما فعل النبي بإرسال خالد.
• الاستماع لكافة الأطراف: لا تكتفِ بسماع طرف واحد، بل حاول فهم وجهة نظر الطرف الآخر المعني بالخبر.
• التأنّي والحلم: أعطِ الأمور وقتها الكافي للتحقق، فالندم على التريّث خير من الندم على العجلة.
إن تطبيق هذه القاعدة النبوية هو الضمانة بإذن لله لعدم الوقوع في الندامة التي حذّرت منها الآية، والتي قد تكون ندامة على إراقة دم، أو قطع رحم، أو ظلم بريء، أو إشاعة فوضى.
مسؤوليتنا المشتركة
إن التحذير النبوي الشريف: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» يُلقي بظلاله على مسؤوليتنا الفردية والجماعية الجسيمة في هذا العصر الرقمي. فليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل ما يُسمع أو يُقرأ يُنشر ويُذاع. التسرّع في نقل الأخبار دون تحقق هو بحد ذاته إثم، لما قد يترتب عليه من نشر للباطل، وإشاعة للفاحشة، وترويع للآمنين، وإعانة على الفتنة، وظلم للأبرياء. إن مواجهة وباء الشائعات تتطلب تضافر الجهود؛ بدءاً من الفرد الذي يجب أن يُربّي نفسه على التفكير النقدي، والتحلّي بالصبر والأناة، والبحث عن المصادر الموثوقة، وعدم الانسياق وراء الإثارة أو العناوين البرّاقة. وتمتد المسؤولية لتشمل الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية في نشر الوعي بمخاطر الشائعات وكيفية التعامل معها، وتعزيز ثقافة «التبيّن» التي أمر بها القرآن وطبقتها السنّة.
إن (الندم) الذي قد يعقب التصرف بجهالة بناءً على شائعة، هو في حقيقته أول أبواب التوبة والعودة إلى الصواب، وهو دافع لتأييد الحق ونصرته بعد أن كاد المرء يخذله أو يشارك في طمسه. وهنا يقف الإنسان أمام خيار حاسم: «أيريد أن يكون شيطاناً أخرس»، يسكت عن الحق ولا ينصره خوفاً أو تجاهلاً، «أم يريد أن يكون شيطاناً ناطقاً» يدافع عن الباطل وينشره بلسانه وقلمه؟ إن المؤمن الحق يختار نصرة الحق دائماً، والتبيّن هو أولى خطوات نصرة الحق. فلنتق لله في أقوالنا وأفعالنا، ولنكن جميعاً حراساً أمناء على أمن مجتمعاتنا وسلامتها الفكرية والنفسية والاجتماعية، ببناء حصون الوعي والتثبّت في وجه سيول الشائعات المضللة، ولنتذكّر دائماً أن كل كلمة محسوبة، {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.