كان الشهيد الشيخ أحمد محمد عساف إنساناً نبيلاً، حسن الشمائل، صافي الإيمان، صادق المودّة، مشبعاً ثقافة وعلماً، ومواطناَ شريفاً نذر نفسه للخدمة العامة فأسّس المركز الإسلامي - عائشة بكار عام 1974.
نادى بقاعدتين أساسيتين: الإعتدال والعيش المشترك، وتميّز بالكثير من المواقف الجريئة، وجهر دائماً بالحق ولم يخف في الله لومة لائم، ومثّل الصوت الصادق لمن ليس له صوت، والتي كانت تسمّى آنذاك الأكثرية الصامتة.
تصدّى للفساد ونبذه، ورفض المظاهر المسلحة وحارب فرض الأتاوات والمجالس المحلية، وكان صلة الوصل بين العقلاء في الوطن المنقسم على نفسه، وآمن بالدولة ووحدة تراب الوطن ورفض التقسيم.
اعتبر أن إنشاء المجالس المحلية في بيروت مقدمة لتقسيم العاصمة، وبالتالي تفتيت الوطن إلى دويلات متقاتلة متناحرة، كما كان يؤمن بأنَّ العيش المشترك والانصهار الوطني هما الأساس في بناء الوطن.
وآمن بأن الإسلام دين المحبة والتسامح والإعتدال والوسطية والعيش المشترك، وأكد في خطبه ولا سيما في أيام الجمعة من على منبر مسجد عائشة بكار بأن الحرب اللبنانية ليست حربا بين المسلمين والمسيحيين، بل هي حرب على المسلمين والمسيحيين، وهي حرب بين من يريد تقسيم لبنان، وبين من يعمل لإبقاء لبنان دولة ووطناً موحّداً لكل أبنائه. ودافع عن المسيحيين المظلومين، كما دافع عن المسلمين المظلومين، وأطلق عليه بحق لقب «الأوزاعي الجديد» أو أوزاعي القرن العشرين.
تلقّى الكثير من التهديد والوعيد إن لم يتخلَّ عن مواقفه، ولكنها لم تثنه عن المضي قُدماً في قناعته، بل زادته إصراراً.
وفي ليلة سوداء عند الساعة التاسعة من مساء يوم الاثنين في 26 نيسان 1982، تم اغتياله بإطلاق الرصاص عليه قرب المركز الإسلامي - عائشة بكار بعد أدائه صلاة العشاء في المسجد، الموقع الذي جعله مركزاً إسلامياً حضارياً متفاعلاً مع بيئته ومدينته ومع جميع البيارتة واللبنانيين.
دفع الشيخ أحمد عساف حياته ثمناً لمبادئه ومواقفه، وسقط شهيداً مع سقوط خطة تقسيم بيروت إلى كانتونات محلية باسم المجالس المحلية، وكانت دماؤه الطاهرة باكورة مسيرة الشهادة والتضحية التي تبعها استشهاد الشيخ الدكتور صبحي الصالح وسماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد.
احتجاجاً على الجريمة النكراء حدثت اضطرابات في بيروت، وجرى إقفال عمّ مختلف المناطق اللبنانية، وشيّعت بيروت شهيدها في مأتم شعبي ورسمي ووطني حاشد تقدّمه أركان الدولة والقيادات الإسلامية الدينية والسياسية.
أحال مجلس الوزراء قضية الاغتيال إلى المجلس العدلي بتاريخ 29 نيسان 1982... ولا تزال الحقيقة غائبة!