قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ تصديق الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى على مشروع قانون لعقوبة الإعدام يستهدف معتقلين وأسرى فلسطينيين يمثل خطوة خطيرة لتعميق نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، ويكشف مستوى جديداً من استمرار النيّة التدميرية ضد الشعب الفلسطيني بعد عامين من ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، ويُظهر إلى أيّ حدّ تمضي إسرائيل في تقنين عقوبة قصوى تمييزية تُفرض على الفلسطينيين ضمن منظومة تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة للسكان الذين تحتلهم بصورة غير قانونية، بما يتعارض مع التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأوضح المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي أنّه تابع باستهجان شديد تصديق الكنيست الإسرائيلي، مساء الإثنين الموافق 10 تشرين الثاني الجاري، بالقراءة الأولى على مشروع قانون يجيز إعدام أسرى ومعتقلين فلسطينيين، بأغلبية 39 عضواً من أصل 120، مقابل 16 صوّتوا ضده.
وقال الأورومتوسطي إنّ لجنة الأمن القومي في الكنيست الإسرائيلي كانت صادقت في 3 تشرين الثاني على مشروع القانون قبل إقراره بالقراءة الأولى، على أن يُطرح لاحقاً للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة ليصبح نافذاًً، وكان قدّم مشروع القانون حزب «عوْتصما يهوديت» (القوة اليهودية) برئاسة «إيتمار بن غفير».
إقرار لمنهج للتمييز والاضطهاد
وأشار المرصد إلى أنّ إقرار هذا القانون يعكس تطوراً خطيراً في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، ويؤكد الطابع المنهجي للتمييز والعنف الذي تمارسه ضدهم على كافة المستويات، والذي بلغ ذروته خلال جريمة الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة منذ أكثر من عامين، مؤكداً أنّ هذا التوجه التشريعي يأتي استكمالاً لمنظومة اضطهاد مؤسسي تستهدف الفلسطينيين على أساس انتمائهم القومي، وصولاً إلى القضاء على وجودهم كجماعة قومية محمية بموجب القانون الدولي.
وقال إنّ فرض عقوبة الإعدام ضد الفلسطينيين يشكّل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني وللالتزامات المترتبة على إسرائيل بصفتها قوة قائمة بالاحتلال، إذ يُعدّ الفلسطينيون سكاناً محميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، التي لا تجيز لقوة الاحتلال فرض عقوبة الإعدام إلّا في أضيق الحدود المتصلة بالجرائم العمدية الأشدّ خطورة، وبشرط أن تستند هذه العقوبات إلى قوانين كانت نافذة قبل بدء الاحتلال، لا إلى قوانين جديدة تفرضها القوة المحتلة نفسها.
وأضاف المرصد الأورومتوسطي أن إسرائيل، بصفتها دولة طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، حتى وإن لم تصادق على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق به، تبقى ملزمة بعدم إعادة العمل بعقوبة الإعدام بعد وقف تنفيذها، وكذلك عدم توسيع نطاقها لتشمل جرائم لم تكن تستوجب عقوبة الإعدام لدى التصديق على العهد أو في أي وقت لاحق أو تقليص القيود المفروضة عليها يتعارض مع المادة (6) من العهد.
وشدّد الأورومتوسطي على أنّ مشروع القانون الإسرائيلي يتعارض مع القيود التي حدّدتها المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنصّ على أنّ عقوبة الإعدام لا يجوز تطبيقها إلّا في أشدّ الجرائم خطورة، وتحديداً تلك التي تُرتكب عمداً، في حين ينصّ المشروع الإسرائيلي على إمكان فرض هذه العقوبة حتى في حالات القتل غير العمد أو الناتج عن اللامبالاة، بما يشكّل مخالفة جوهرية لأحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وانتهاكاً لمبدأي التناسب والمشروعية في العقوبات الجنائية.
غياب المحاكمة العادلة
وقال إنّ الأخطر في مشروع القانون يتمثّل في تطبيقه ضمن منظومة قضائية تفتقر كلياً لضمانات المحاكمة العادلة للفلسطينيين، إذ تُنتزع الاعترافات بالقوة، ولا يتاح تمثيل قانوني فعّال، ولا تُحترم قرينة البراءة، ولا يُتاح حق فعلي في الاستئناف أو الاطلاع على الوثائق الضرورية للدفاع، فضلاً عن انعدام نزاهة الإجراءات الجنائية واستقلالية المحاكم الإسرائيلية، مؤكداً أنّ فرض عقوبة الإعدام في هذا السياق لا يمكن اعتباره إجراءً قضائياً مشروعاً، بل يشكّل حرماناً تعسّفياً من الحق في الحياة بما يخالف جوهر القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأكد المرصد الأورومتوسطي أنّ فرض عقوبة الإعدام بطريقة تمييزية ضد الفلسطينيين على أساس الانتماء القومي أو الديني يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون، ويشكّل انتهاكاً صارخاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحظر تطبيق العقوبات القصوى بصورة انتقائية أو عنصرية، كما يحظر في جميع الأحوال الحكم بعقوبة الإعدام في إطار سياسة للإبادة الجماعية تستهدف أفراد جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية.
كما شدّد على أنّ محاكمة المدنيين الفلسطينيين أمام محاكم عسكرية تابعة لقوة الاحتلال تخالف القاعدة العامة التي تحظر إخضاع المدنيين للاختصاص العسكري، خصوصاً في القضايا التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، وهو ما يجعل أيّ حكم يصدر في مثل هذا السياق فاقداً لأساسه القانوني ومخالفاً لالتزامات إسرائيل الدولية.
وأكد المرصد الأورومتوسطي أن إسرائيل تمارس تضليلاً متعمّداً وهي تسعى لإقرار تشريع عنصري جديد يشرعن ما تنفذه فعلياً على الأرض، إذ نفذت خلال العامين الماضيين عشرات الإعدامات الميدانية بحق أسرى ومعتقلين فلسطينيين. فقد جرى تسجيل 81 حالة وفاة في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر، في حين تشير المعطيات إلى وجود عشرات آخرين من بين المخفيين قسراً من قطاع غزة يُرجَّح تعرّضهم للقتل أثناء الاعتقال، كما أوضح أن المعاينات التي أُجريت لجثامين عدد من الضحايا الذين سلّمتهم القوات الإسرائيلية في إطار اتفاق وقف إطلاق النار والتبادل كشفت عن وجود آثار حبال حول الأعناق، ما يرجّح تنفيذ عمليات إعدام ميداني مباشرة بحقهم.
مسؤوليات المجتمع الدولي
طالب المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بالتحرك الفوري والفعّال للضغط على إسرائيل، من أجل التراجع عن مشروع القانون الخاص بعقوبة الإعدام ووقف مسار إقراره، واتخاذ تدابير سياسية واقتصادية وقضائية ملموسة في حال المضيّ في اعتماد هذا التشريع العنصري، بما في ذلك تعليق التعاون العسكري والأمني معها حظر أسلحة شامل.
كما دعا المرصد الدول والمنظمات الدولية ذات الصلة إلى اتخاذ خطوات عاجلة لضمان حماية المعتقلين والأسرى الفلسطينيين، بما في ذلك تمكين بعثات رقابة دولية مستقلة من زيارة جميع أماكن الاحتجاز، وفحص أوضاع النزلاء بصورة دورية وشفافة، وفتح تحقيقات مستقلة في جميع حالات الوفيات المُبلّغ عنها داخل السجون ومراكز التوقيف الإسرائيلية، وإحالة نتائج هذه التحقيقات إلى الآليات الدولية المختصة تمهيداً لمساءلة المسؤولين عنها جنائياً، بما في ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وحثّ المرصد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على إيلاء أولوية خاصة لملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين ضمن التحقيق الجاري في الوضع في فلسطين، والنظر في إدراج الإعدامات الميدانية وحالات الوفاة داخل مراكز الاحتجاز، وأي تطبيق محتمل لعقوبة الإعدام بموجب التشريع الجديد، ضمن أنماط الجرائم التي تستهدف السكان الفلسطينيين كجماعة محمية والتي تدخل في اختصاص المحكمة.
وشدّد المرصد الأورومتوسطي على أن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه غير القابل للتصرّف في تقرير المصير، يمثّل الحلّ الجذري والضامن الأساسي لوقف سياسات القمع والإبادة الجماعية والفصل العنصري ضد الفلسطينيين.