(في خضم ما يدور في أوساطنا الإسلامية من أحاديث، وما يطرح من مواضيع، وما نعاني من أزمات بكل المجالات، رأيت أنه من المناسب أن أُعيد نشر هذا المقال الذي نشرته في العام 2018، لعلّه يكون بصيص أمل، في زمن اسودّت أيامه.. و أحواله.. وأشخاصه..؟!)
لماذا نصرُّ على نشر وتثبيت إشاعة تلك الخرافة التي تقول أن باب الاجتهاد والتجديد مقفول في الإسلام ولم يعد لدينا اجتهاد ولا مجتهدون...؟!
بل ولماذا نروّج لهذا ونحن نعلم مسبقا أنه افتراء وظلم للإسلام ولعلمائه ولأبنائه..؟!
إن الاجتهاد في الأحكام الشرعية أمر ثابت ومعمول به منذ عهد الرسول صلى االله عليه وسلم وكثير من الأحاديث والآثار دلّت عليه وحثّت المسلمين على عدم تركه، ومن أشهرها حديث رسول الله صلى االله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن قال: «كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ»، قَالَ: أَقْضِى بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ في كِتَابِ اللَّهِ»، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى االله عليه وسلم، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِى لاَ آلُو»، قَال: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى االله عليه وسلم صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِى رَسُولَ اللَّهِ»..
فما سبق يعني بلا شك فتحاً نبوياً مباركاً لباب الاجتهاد، فمنه ولج الأئمة المجتهدون إلى بحر الاجتهاد وغرفوا منه، كل على قدر طاقته، بل وبثّوا ما غرفوا إلى الأمة الإسلامية التي تتناقله من جيل إلى جيل وتتواصل اجتهادات أهل العلم لتغوص في بحور الشرع الحنيف لاستخراج الدرر واللآلىء من سماحة الشريعة.
نعم.. صحيح أن مهمة المجدّد مهمة واسعة الأرجاء ومتشعبة المسالك، ولكن أبدا ليس بعذر أن نسمع البعض يقول أننا لن نصل إلى ما وصل إليه الأولون، فالأولون جدّوا واجتهدوا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه، فإلى ماذا وصلنا نحن سوى التراجع والتخلّف والتمزّق والبُعد عن الدين.. ثم تعليق كل ما سبق على «شمّاعة» أن باب الاجتهاد مقفول في ديننا..؟!
صناعة المجتهد
إن كان لا بد من توافر صفات عالية ومواهب رفيعة عند المجتهد تؤهّله للتصدّي لهذا الواجب، فتعالوا إذن لنصنع المجدّدين.. ولنربّي المجتهدين.. أو على أقل تقدير تعالوا لنمهّد الأرض في بلادنا حتى تكون أرضا خصبة ومستعدّة لاستقبال المجتهدين والمجدّدين في المستقبل...؟!
فالنبي صلى االله عليه وسلم حثّنا على هذا الأمر فقال: (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)، ومن منطوق الحديث ومفهومه نستنبط أن الدعوة هنا هي إلى الإبداع والابتكار وإلى الاجتهاد وفق ما يتناسب مع ظروف وأحوال ومتطلبات العصر ولا يتناقض أو يعارض أصول الدين.
وهذا الأمر ثابت عند الصحابة والتابعين والسلف الصالح، إذ كان للإبداع في الأسلوب والأفكار والسبل أثر كبير في مسار الأمة دعويا وثقافيا واجتماعيا وتربويا و...
ولكن في عصرنا الحالي ورغم الثورات الإبداعية -إن صح التعبير- التي طالت كل ميادين الحياة، ما زال كثير من الدعاة في بلادنا يعتمدون على الطرق التقليدية والأساليب التراثية التي بأكثريتها لم تعد صالحة لظروف وأحوال ومعطيات المجتمعات الإسلامية اليوم..؟!
لقد كتبنا كثيرا في السابق وقلنا أن الإبداع وخاصة في العصر الذي نعيش فيه اليوم بات شرطا أو أساساً في مجال الدعوة، ليس من حيث الأسلوب فحسب، ولكن أيضا من حيث البنية الفكرية التي يؤسس عليها المسلم حياته ويرتّب وفقها أولوياتها.
وهذا الإبداع ما هو إلّا خطوة من خطوات السير في طريق الاجتهاد، فإن ما قدمته الأبحاث والاختراعات الحديثة من فكر وإنتاج وأساليب وآليات ووسائل وغيرها، لا يجوز أبدا لنا كمسلمين أن نهجرها أو نتركها أو حتى نجهل التعامل معها.. فإن الإسلام هو الدين الحق، هو دين الفطرة السويّة، وهو الدين الخاتم، ويستحيل أن يكون من حسن فهم الإسلام هجر ما فيه المنفعة والتقدّم للأمة في حاضرها ومستقبلها..؟!
لا حلّ سوى بالاجتهاد
لقد ورد عن رسول الله صلى االله عليه وسلم أحاديث عديدة تبيّن لنا أهمية الاجتهاد، ومنها مثلا حديث: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدّد الإيمان فى قلوبكم»، وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «جدّدوا إيمانكم»، قيل: يا رسول الله وكيف نجدّد إيماننا؟، قال: «أكثروا من قول لا إله إلّا الله»، وكل ما سبق يؤكد لنا أن المقصود هو إعادة التفاعل الصحيح مع مقتضيات الشهادتين في مختلف نواحي الحياة لنكون أخلاقيا وعمليا وسلوكيا وحضاريا مطبقين لها.
ومن هنا نقول إن الاجتهاد بمعناه العام والشامل هو سر نجاح المسلمين في كل عصر وكل زمان، وأي جيل يتوقف عنه ويرفض السير في طريقه فلن يحصد إلّا التراجع والتخلّف الفكري والعلمي والحضاري، ولن يكون إلّا ظالماً لحاضر ولمستقبل الأجيال التي ستليه، ومن هنا قال الشيخ محمد أبو زهرة: (إنما الاجتهاد هو أن يُعاد إلى الدين رونقه، ويُزال عنه ما علق به من أوهام، ويُبيّن للناس صافياً كجوهره، نقيّاً كأصله..).
نعم... إن المستحدثات التي تُفرض علينا كل يوم، والمستجدات المتنوعة التي تصل إلى بلادنا وتتلصص في مجتمعاتنا.. كلها تحتّم علينا - فكرا وعملا وقولا - نفي هذه المقولة التي يحاول البعض زورا وبهتانا تثبيتها في عقول الناس وهي أن باب الاجتهاد مقفول...
علينا البدء فورا بالعمل والسعي والإعداد لتنفيذ خطة علمية وفكرية وثقافية وتربوية تسمح للأمة أن ترى خلال خمس أو عشر سنوات نواة اجتهاد على أرضها، أما إن أَبَيْنا إلّا التمسّك بفكرة أن الاجتهاد مقفول، فسنصل إلى يوم نجد فيه باب الحياة بأكمله مغلقاً أمام أمّتنا، وحينها لا تلوموا إلّا أنفسكم..؟!
bahaasalam@yahoo.com