لا تقتصر حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة على القتل الجماعي والتدمير العسكري للبنية العمرانية والمدنية، بل تتجاوز ذلك إلى نمط أشدّ خطورة وأطول أثراً، يتمثل في الاستهداف المنهجي للتعليم والثقافة الذاكرة الجمعية والهوية الفلسطينية.
هذا ما يخلص إليه الباحث الأميركي هنري جيرو في دراسته المعنونة (الإبادة الأكاديمية: الحرب على التعليم من غزة إلى العالم الغربي Scholasticide: Waging War on Education from Gaza to the West)، حيث يطرح مفهوم «الإبادة المعرفية» بوصفه إطاراً لفهم الحرب بوصفها مشروعاً بنيوياً يهدف إلى محو المجتمع الفلسطيني مادياً وثقافياً وفكرياً.
ويقدّم جيرو، أحد أبرز منظّري التربية النقدية، مفهوماً تحليلياً لافتاً في دراسته المنشورة في (Journal of Holy Land and Palestine Studies)، بوصفها هذا النوع من الإبادة أحد الأبعاد الجوهرية للحرب الجارية.
من العنف الاستثنائي إلى العنف البنيوي
وتعتمد الدراسة على تقارير حقوقية دولية، تشير إلى أن إسرائيل ألقت خلال أشهر قليلة أكثر من 25 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة، وهو رقم يعادل – من حيث القدرة التدميرية – قوتين نوويتين.
ويؤكد أن هذه الكثافة النارية غير المسبوقة، خاصة في منطقة مكتظة بالسكان، تجعل من الحديث عن أخطاء أو أضرار جانبية أمراً غير قابل للتصديق.
ووفق القانون الدولي الإنساني، فإن استخدام هذا الحجم من القوة التدميرية في مناطق مدنية يشكّل جريمة حرب واضحة، خصوصاً عندما يُستخدم بشكل متكرر ضد بنى غير عسكرية.
أحد أبرز محاور الدراسة يتمثل في الاستهداف المتعمّد للمؤسسات التعليمية. فبحسب معطيات الأمم المتحدة:
• دُمّر أو تضرر نحو 90% من مدارس غزة.
• تعرّضت جميع الجامعات الـ12 في القطاع للقصف أو التخريب.
• توقفت الدراسة لنحو 90 ألف طالب جامعي.
• استُشهد آلاف الطلاب ومئات المعلمين وأساتذة الجامعات.
ولا ينظر جيرو إلى هذه الوقائع بوصفها نتائج عرضية للحرب، بل يضعها في إطار سياسة تهدف إلى قطع السلسلة المعرفية التي تربط الماضي بالحاضر، وتجعل من إعادة بناء المجتمع أمراً بالغ الصعوبة.
وتتوقف الدراسة عند قصف المدارس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء للنازحين، ومن بينها مدرسة التابعين، التي قُصفت أثناء وجود مئات المدنيين فيها. وتشير التحقيقات الحقوقية إلى عدم وجود أي نشاط عسكري داخل هذه المدارس، ما يعزز فرضية الاستهداف المتعمّد.
ويرى جيرو أن تكرار هذه الحوادث يعكس تحوّل المدارس من فضاءات حماية إلى أهداف عسكرية، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية التي تُلزم أطراف النزاع بحماية المنشآت التعليمية.
الإبادة المعرفية: المفهوم والدلالة
يعرّف جيرو «الإبادة المعرفية» بأنها التدمير المنهجي للتعليم، والثقافة، والبنية الفكرية لمجتمع ما، بهدف محو ذاكرته الجمعية وقدرته على إنتاج المعرفة ونقلها. وهي، وفق هذا التعريف، شكل متقدم من الإبادة، لا يستهدف الحاضر فقط، بل يستهدف المستقبل. وتشمل هذه الإبادة:
• تدمير المدارس والجامعات.
• قتل أو تهجير المعلمين والمثقفين.
• محو الأرشيفات والمكتبات.
• تدمير المتاحف والمواقع الثقافية.
• سرقة أو طمس الآثار التاريخية.
توسّع الدراسة دائرة التحليل لتشمل استهداف المكتبات العامة، ودور النشر، والمراكز الثقافية، وحتى المقابر والمعالم التاريخية. ويشير جيرو إلى أن هذا النمط من التدمير يعكس رغبة في إعادة كتابة التاريخ بالقوة، عبر محو الشواهد المادية التي تثبت الوجود الفلسطيني المتواصل.
ويحذّر من أن تدمير الذاكرة ليس أقلّ خطورة من تدمير الأجساد، لأنه يسعى إلى إلغاء الرواية الفلسطينية من الأساس.
ولا تتوقف «الإبادة المعرفية» عند حدود فلسطين، بحسب جيرو، بل تمتد إلى الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تشهد حرية التعبير الأكاديمي تراجعاً ملحوظاً. ويوثق الباحث حالات فصل وتعليق عمل أساتذة، ومعاقبة طلاب، وقمع احتجاجات سلمية، بسبب التعبير عن التضامن مع غزة أو انتقاد السياسات الإسرائيلية.
ويرى أن هذا المسار يعكس تحالفاً بين السلطة السياسية والاقتصادية والإعلامية لإسكات أي خطاب نقدي، تحت ذريعة الأمن أو محاربة الكراهية.
الجامعات الإسرائيلية ودورها في المنظومة
ينقل جيرو عن أكاديميين إسرائيليين – بعضهم من داخل المؤسسة نفسها – نقداً متزايداً لما يعتبرونه تآكلاً للاستقلال الأكاديمي، حيث لم تعد الجامعات مجرد مؤسسات تعليمية، بعدما تحوّلت إلى منصات لإنتاج المعرفة العسكرية، وتطوير الأدوات التكنولوجية المستخدمة في القمع والمراقبة، وتوفير الغطاء القانوني والأخلاقي لسياسات الاحتلال.
ففي مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، وأنظمة المراقبة البيومترية، لا تعمل الجامعات الإسرائيلية في فراغ علمي، بل ضمن شراكات وثيقة مع الجيش، وشركات السلاح، وأجهزة الاستخبارات.
وتُبرز الدراسة دور الجامعات الإسرائيلية في هذا المسار، ليس فقط من خلال التعاون البحثي مع الجيش، بل عبر إنتاج خطاب معرفي يجرّد الضحية من إنسانيتها. فحين تُدرَس غزة بوصفها «بيئة معادية»، أو يُنظر إلى الفلسطيني كـ«خطر أمني محتمل»، فإن المعرفة هنا تتحوّل من إطار محايد إلى أداة في خدمة العنف.
هذا الشكل من التطبيع المعرفي يجعل العنف مقبولاً لدى قطاعات واسعة من المجتمع، لأنه يُقدَّم بوصفه نتيجة حتمية لمعطيات علمية أو أمنية. وهكذا، يُسهم التعليم - الذي يُفترض أن يكون أداة تحرر - في تكريس منطق السيطرة، وتحويل القتل والتدمير إلى أفعال يمكن تبريرها عقلانياً. لأن البنية الأكاديمية نفسها أصبحت جزءاً من منظومة الامتيازات التي يمنحها النظام القائم.
الأخطر من ذلك، بحسب جيرو، هو أن هذا التورط لا يُقدَّم كاستثناء ظرفي، بل يُسوَّق باعتباره واجباً وطنياً، ما يخلق ثقافة جامعية تدمج البحث العلمي مباشرة في مشروع الهيمنة العسكرية. وهنا تفقد الجامعة دورها كمساحة نقدية، وتتحوّل إلى جزء من «البنية التحتية للاحتلال»، حيث تُصاغ الأسئلة البحثية، وتُموَّل المشاريع، وتُقاس النجاحات الأكاديمية بمدى خدمتها للأمن القومي.
وفي هذا السياق، يصبح الصمت الأكاديمي عن الجرائم المرتكبة في غزة والضفة الغربية نتيجة طبيعية لانخراط بنيوي طويل الأمد، يصعب معه مساءلة الجامعات لأنها جزءاً من المنظومة.
الأطفال بين الحرب والحرمان
ويولي جيرو اهتماماً خاصاً للأطفال، بوصفهم ضحايا مباشرين للقصف والفئة الأكثر تضرراً من الانهيار التعليمي والنفسي المتزامن. فالحرب، في نظره، لا تُقاس فقط بعدد القتلى، بل بعمق الجرح الذي تتركه في وعي الأجيال القادمة، فالأطفال في غزة حين يفقدون مدارسهم، يفقدون الإحساس بالاستمرارية.
ويقول إن المدرسة في أي مجتمع، ليست مكاناً للتعلّم، بل فضاء للأمان، والتنظيم الزمني، وبناء العلاقات، وتشكيل المعنى. وعندما تُدمّر هذه المساحة، يُترك الطفل في حالة فراغ وجودي، حيث يصبح العنف هو الإطار الوحيد لفهم العالم.
ويشير جيرو إلى أن الصدمات المتراكمة - القصف، الفقدان، النزوح، الجوع - تتقاطع مع الحرمان التعليمي لتُنتج آثاراً نفسية عميقة، قد لا تظهر نتائجها فوراً. فالأطفال الذين ينشأون في بيئة بلا تعليم مستقر، وبلا أفق واضح، يواجهون مخاطر مضاعفة تتعلق بالاكتئاب، واضطرابات القلق، وتراجع القدرات المعرفية، وتآكل الثقة بالمستقبل.
الأخطر، وفق جيرو، هو أن هذا الوضع لا يُعدّ نتيجة غير مقصودة، بل جزءاً من منطق الإخضاع طويل الأمد. فجيل محروم من التعليم هو جيل أقل قدرة على المطالبة بحقوقه، وأقل قدرة على إعادة بناء مجتمعه بعد الحرب.
ويخلص جيرو إلى أن ما يجري في غزة يتجاوز كونه مأساة محلية، ليشكّل اختباراً عالمياً لمعنى التعليم بوصفه حقاً إنسانياً غير قابل للمساومة. فحين تُدمّر المدارس، وتُقتل الذاكرة، ويُحرم الأطفال من حقهم في التعلّم، لا يكون المستهدف شعباً بعينه فقط، بل فكرة العدالة نفسها.
ويشدّد على أن الدفاع عن التعليم، يعدّ فعل مقاومة أخلاقية ضد منطق القوة العارية، وليس موقفاً إنسانياً مجرداً، مشيراً إلى أن الصمت أمام تدمير المعرفة هو تواطؤ مع جريمة قائمة، والقبول بمستقبل يُبنى على الجهل والقهر.
وفي عالم يدّعي الدفاع عن القيم، يطرح جيرو سؤالاً حاسماً: ما قيمة الحديث عن حقوق الإنسان إذا كان التعليم، في لحظة الاختبار، أول الضحايا؟