بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 كانون الأول 2025 12:00ص بعدما كثرت مظاهر الإضرار والنكايات وشاعَ فساد الذمم: نحو تجديد فقهي يحقّق مقاصد الشريعة ويشترط إعلام وموافقة المعتدّة في الرجوع إلى طليقها

حجم الخط
يعرّف العلماء الرجعة أنها سعي الرجل لإرجاع زوجته إلى ذمته بعد طلاقها منه طلاقاً رجعياً غير بائن وخلال فترة العدّة، وذلك دون عقد ولا مهر جديدَين، وقال الفقهاء أنه حق للرجل دون المرأة، وبالتالي يجوز للرجل أن يرجع خلال العدّة زوجته إلى ذمته، سواء وافقت أم لم توافق، بل سواء علمت أم تعلم، وهنا لا بد من وقفة.
ويعتمد جمهور الفقهاء في قولهم هذا على الآية المبارك {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً}، ويقولون أن هذه الآية دليل على حق الرجل في إرجاع زوجته دون موافقة الزوجة، معللين ذلك بأن المطلقة الرجعيَّة زوجة ما دامت في العدَّة، لها ما للزوجات من نفقة وكسوة ومسكن، وعليها ما على الزوجة من لُزوم المسكن.
ومن هذه الأقوال على سبيل المثال ما جاء في حاشية ابن عابدين ونصه: «فله الرجعة؛ لأنه حكم أثبته الشارع غير مقيد برضاها... وندب إعلامها بها (أي الرجعة) لئلا تنكح زوجا غيره بعد العدّة».
وجاء في «المغني» لابن قدامة: ولا يعتبر في الرجعة رضى المرأة لقول الله تعالى {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} فجعل الحق لهم.
وجاء في الموسوعة الفقهية: (لا يُشتَرَطُ في الرَّجعةِ رضا الزَّوجةِ؛ فللزَّوجِ ارتِجاعُ زَوجتِه شاءت أم أبَت، والأدِلَّةُ: مِنَ الكِتابِ قول الله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}، وقَولُه «أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ» أي: في العِدَّةِ، فجَعَل الحَقَّ للأزواجِ).

مناقشة واقعية مقاصدية

وكل هذا كلام اجتهاد جميل من حيث المبدأ، ولكن تعالوا لنقف قليلاً معه:
أولا: المولى تعالى قال {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ}، و(أحقّ) هنا بمعنى أولى، وليس أبدا بمعنى الإجبار على القبول أو الإكراه على العودة، ثم إن هذا الحق مشروط بتحقيق الإصلاح في العلاقة الزوجية (إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً)، فكيف يستقيم الإصلاح هنا والحياة بين الزوجين قائمة على الإضرار والنكايات؟!
بل إن البعض قد قالوا - وألف آه من قولهم - أنه حتى إذا علم القاضي أن قصد الزوج من الرجعة هو الانتقام جازت له وحقّت على المرأة وأقرّه القاضي عليها، وأمره حينها إلى الله..؟!
هذا القول جعلنا نرى ونعايش حالات عديدة يسعى فيها الزوج بكل جهده لتحقيق الرجعة، فقط بهدف الإضرار، أو بهدف الانتقام، أو بهدف المساومة على مال، أو حتى بهدف إبقائها معلقة فلا هي زوجة ولا هي مطلقة، فإذا أتت زوجة مطلقة طلاقاً رجعياً، عانت مع زوجها من ضرب مبرح، ومن تعنيف مؤذي، ومن لسان سليط ومن خلق فاحش، حتى صار الضرر عليها محققاً، ثم جاء الرجل أمام القاضي وقال «اشهد أني أرجعتها إلى ذمتي وعقدة نكاحي»، فبأي عقل وبأي فكر نقبل أن يكون هذا سلوكاً قويماً يبيحه الإسلام الحنيف للرجل ونحن نعلم سوء نيّته..؟!
ثانيا: قال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} فهل يكون هذا «الإمساك بالمعروف» من خلال الإكراه والغصب وغياب لموافقة المرأة..؟!، ثم إن هذا «الإمساك بالمعروف» هو بنص الآية من صفات المؤمنين، (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فكيف يتناسب الإمساك «بغير المعروف» مع صفات المؤمنين..؟!
ثالثاً: يقولون أن المرأة في العدّة ما زالت زوجة للرجل، وبالتالي لا يحتاج إلى موافقتها في الرجوع إليه، فنقول نعم أنها زوجة، ولكن (مع وقف التنفيذ) إن صح القول، وإلّا لما اعتبر وقوع الطلاق، ولما دخلت في فترة العدة، وبالتالي المرأة في عدّتها هي في فترة نزاع بينها وبين زوجها، إما أن تقبل الصلح وترجع إلى زوجها، وإما أن ترفضه فتقضي عدّتها ويتفرّقا.
وهنا نشير إلى أن المملكة العربية السعودية قد أصدرت قرارا برقم 30/م بتاريخ 5/8/1437 جاء بناء على طلب من وزير العدل أكد فيه المجتمعون على أن الرجعة لا تصحّ بالكتمان، وفيه «مبدأ قضائي بشأن المطلقة الرجعية التي تنتهي عدّتها وتتزوج من زوج ثانٍ، ولم تعلم أن الزوج الأول راجعها في العدّة، وهو الأمر الذي تسبب في إشكاليات داخل أروقة المحاكم في الفترة السابقة».
وأضاف البيان أن «هذا القرار الذي أصدرته لجنة قضائية مكوّنة من 6 أعضاء ورئيس جاء بعد الاطّلاع على عدد من صور لصكوك الأحكام القضائية الصادرة من بعض المحاكم المختصة في قضايا مماثلة لهذه المسألة، حيث أقرّ جميع العلماء بأن الرجعة لا تصح بالكتمان، ونظرا لتوافر وسائل الاتصال الحديثة، وإمكان المطلق إشعار زوجته بمراجعتها، ولكون الهدف من الإرجاع دائما الإصلاح، لذا اتفق الجميع على أن من طلق زوجته طلاقا رجعيا، وتركها تنقضي عدّتها وتتزوج بغيره، لا يريد الإصلاح وإنما الإضرار». وأشار المصدر إلى أن «القرار أكد على أن الفقهاء أجمعوا على أن المطلقة الرجعية إذا خرجت من العدّة، ولم تعلم بمراجعة مطلقها، لها الحق أن تتزوج، وعقد نكاحها من الزوج الثاني يكون صحيحا، ولا خلاف عليه».

كلمة ختامية

إذن، العدل والإنصاف وتحقيق مقاصد الشريعة الغرّاء يخبرنا أن القول «بحصرية حقّ الرجعة» للزوج دون المرأة وأن له أن يراجعها من غير أن يخبرها ومن غير أن يستأذن ولي أمرها، وأن على الزوجة أن تعود إليه راضية بذلك شاءت أم أبت، هذا القول يحتاج إلى إعادة نظر، إذ يتعارض تطبيقه في زماننا مع عدالة النص القرآني الذي هو خط ثابت في كل الأمور والقضايا وخاصة في أمور الزواج.

bahaasalam@yahoo.com
أخبار ذات صلة