ما أحوجنا اليوم وأكثر من أي يوم آخر لبناء الوطن وتشييده على أسس سليمة وقواعد حكيمة ونظم سديدة وتطبيقات جامعة لهذه النظم والقوانين على حد المساواة بين الحاكم والمحكوم وبين الصغير والكبير والقوي والضعيف فكل الناس سواسية أمام القانون كأسنان المشط لا فضل لأحد على أحد والكل ملزم بتنفيذ الأحكام والالتزام بتطبيقها.
وخلاف ذلك يصبح الوطن مصدر تسلّط وظلم وقهر وفساد من الأقوياء والنافذين على الضعفاء وسائر المواطنين.
وما أجمل ما قيل في هذا الشأن عن الصدّيق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما تولّى أمر المسلمين (القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له)، فأعظم بناء للوطن يكون بتحقيق العدل والمساواة في كل الحقوق والواجبات والعدل بين أبناء الوطن الواحد مهما اختلفت طوائفهم وتعددت مذاهبهم في تنفيذ الأحكام وأحكام القضاء ليطمئن كل أحد في الوطن أنه سيصل إلى حقه ولا يخاف من قوي أو جائر أو فاجر لأن القضاء حرّ نزيه لا ينقاد لحاكم أو متسلّط مهما قوي سلطانه... ولا لفاجر مهما كثر ماله وأعوانه وخلّانه... والشرطة والأجهزة الأمنية والعسكرية تنفذ الأحكام على كل مواطن وتساعد المظلوم على الظالم وترفع عنه الظلم من أي جهة كانت... والناس في الحق سواسية يسعهم جميعا سواء كان لهم أو عليهم.
والبناء الأساس الثاني هو حب الوطن بصدق وإخلاص أكثر من كل شيء حتى من النفس والولد والمال، وتقديم مصلحة الوطن فوق كل المصالح والقرابات وعدم تسخير مقدرات الوطن وتجييرها لمصالح خاصة ضيقة، وهذا هو الذي نفتقده في كثير من الأزمان والأوطان لأن أغلب المسؤولين ومن هم في مواقع القرار يحبون أنفسهم وأزواجهم وأولادهم أكثر من أوطانهم ومواطنيهم فسخّروا مواقعهم لخدمة من يحبون على حساب ذلك كله، ولو صدقوا في محبة أوطانهم لكانت واحة أمن واستقرار وأعمال وبناء وافتخار، ولكنهم لم يكونوا على قدر المسؤولية التي تولّوها فظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس وخانوا الأمانة التي حملوها وحُمّلوها ممن انتخبهم واختارهم لما هم فيه من مسؤولية واقتدار حتى اعتقدوا أنها قدرتهم الذاتية وليست هي قوة الموقع والمكان الذي هو فيه، فأفسدوا في الأرض وتجازوا الحد في الظلم فاستحقوا غضب الله تعالى فمحقهم الله وأزالهم من مواقعهم كما أزال من قبلهم ممن هو مثلهم في الظلم أو أشدّ.
لقد نسوا قدرة الله تعالى عليهم، فقد قال في كتابه الكريم {ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصبّ عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد}، فالعاقل هو يعتبر وينزجر والفاجر لا يعتبر ولا ينزجر.
والبناء الثالث هو الصدق والأمانة لأن كل مسؤول إذا فَقدَ صفة الصدق والأمانة انعدمت ثقة الوطن والمواطن به لأنه بالغ بالكذب حتى تجمّل به وصار موصوفا به حتى أصبح أهم أوصافه... فهو يكذب ويكذب حتى يصدّق نفسه ويهوي في متاهات الكذب وقد قيل (الصدق في أقوالنا أقوى لنا والكذب في أفعالنا أفعى لنا).
فما أجمل القوي الصادق الأمين حينما يتولى زمام الأمور، وما أجمل من الحفيظ العليم الذي يحفظ ويعلم ولا يتصرف خبط عشواء دون دراية وعلم وبلا قوة وانعدام صدق وضياع أمانة وقد صحّ عن سيدنا رسول الله صلى االله عليه وسلم (إذا ضيّعت الأمانة فانتظر الساعة).