بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 آذار 2026 12:00ص بيوت الله في بيروت: رحلة عبر قرون من الإيمان والعمارة (16)

مسجد الأمير منذر: حين تصبح النافورة هوية من جامع النوفرة إلى مدرسة النهضة

حجم الخط
في باطن بيروت القديمة، على الجهة الغربية للمسجد العمري الكبير، إزاء «محلة باب إدريس» التي حملت اسم الباب الذي كان يقع فيها، مقابل مدخل سوق الطويلة، يطلّ مسجد قديم البناء يرجع تاريخه إلى القرن الحادي عشر الهجري. هذا المسجد، الذي لا يزال قائماً حتى يومنا، يحمل ثلاثة أسماء: مسجد الأمير منذر، جامع النوفرة، جامع القهوة.
ثلاثة أسماء، كل واحد يروي فصلاً مختلفاً من قصته. الاسم الأول يحيلنا إلى باني المسجد، أمير تنوخي قُتل في مذبحة. الاسم الثاني يحيلنا إلى نافورة رخامية كانت تتوسط صحنه، فأصبحت هويته البصرية. الاسم الثالث يحيلنا إلى الحياة اليومية حول المسجد: قهوة شعبية كان يجتمع فيها الناس.

• ألف وستمائة وعشرون: الأمير منذر يبني في زمن فخر الدين

تبدأ القصة عام ألف وستمائة وعشرين (ألف وتسعة وعشرين هجرية)، في عصر الأمير فخر الدين المعني الثاني، ذلك الأمير الدرزي الذي حكم لبنان وأجزاء واسعة من بلاد الشام، وأقام علاقات مع أوروبا، ودخل في صراعات مع العثمانيين.
في بيروت، كان الحاكم المحلي الأمير منذر بن سليمان التنوخي، من عائلة بني تنوخ العربية العريقة التي حكمت أجزاء من لبنان وسوريا لقرون. التنوخيون كانوا من أشدّ أنصار فخر الدين، وكانوا يديرون بيروت لحسابه.
الأمير منذر، مثل كثير من الأمراء المسلمين في ذلك العصر، أراد أن يترك أثراً دينياً يبقى بعده. فقرر بناء مسجد في قلب بيروت، في موقع حيوي بين سوق الطويلة وسوق المنجدين وسوق البازركان، حيث يتدفق التجار والزوار.
اختار الموقع بعناية؛ قريب من الجامع العمري الكبير (لكن ليس قريباً جداً حتى لا يُنظر إليه كمنافس)، قريب من باب إدريس (أحد أبواب المدينة السبعة)، في قلب النشاط التجاري.
بنى مسجداً متوسط الحجم، ليس ضخماً كالجامع العمري، لكنه أنيق، مريح، يتسع لمئات المصلين. وأضاف إليه ميزة فريدة؛ صحناً واسعاً في وسطه بركة ماء تتوسطها نافورة من حجر المرمر.

• النافورة: حين يصبح الماء هوية

النافورة كانت قطعة فنية. مصنوعة من حجر المرمر (الرخام الأبيض)، منحوتة بدقة، يتدفق منها الماء إلى بركة مثمنة الشكل تحيط بها. الماء كان نقيّاً، يأتي من ينابيع بيروت عبر قنوات قديمة.
الوظيفة الأساسية للبركة كانت الوضوء: المصلون يأتون، يتوضؤون من ماء البركة، ثم يدخلون إلى الحرم للصلاة. لكن البركة والنافورة كانتا أيضاً عنصراً جمالياً: صوت الماء المتدفق، بريق الرخام الأبيض، الانعكاسات على سطح الماء، كل هذا كان يخلق جواً من السكينة.
وجود برك ونوافير في صحون المساجد ليس فريداً في بيروت، بل هو تقليد مملوكي شائع. في دمشق والقاهرة، كثير من المساجد المملوكية لها نوافير مشابهة. لكن في بيروت، كان مسجد الأمير منذر الأبرز في هذا المجال، لدرجة أن الناس بدأوا يسمونه «جامع النوفرة» (النافورة بالعامية البيروتية).

• النابلسي في النوفرة: شاهد عيان على الجمال

عام ألف وسبعمائة (ألف ومائة واثنا عشر هجرية)، زار الرحالة عبد الغني النابلسي بيروت، وزار مسجد الأمير منذر. وكعادته، وثّق ما رآه بدقّة.
يصف النابلسي البركة بأنها «مثمنة الشكل»، وكانت في وسط الصحن، وفي وسطها «نوفرة» (نافورة). هذا الوصف مهم لأنه شهادة معاصرة من رحالة دقيق الملاحظة، يؤكد أن النافورة كانت قائمة وعاملة في بداية القرن الثامن عشر، أي بعد ثمانين سنة من بناء المسجد.
النابلسي، الذي زار عشرات المساجد في بلاد الشام، لفته جمال النافورة وأناقتها. وهذا يعني أنها كانت مميّزة حتى بالمقارنة مع نوافير دمشق وحلب الشهيرة.

• جامع القهوة

سجلات المحكمة الشرعية في بيروت تكشف عن تسمية ثالثة، غير شائعة: «جامع القهوة». جاء في إحدى الوثائق: «جامع الأمير منذر المعروف بـ جامع القهوة العامر بذكر االله». والسبب أنه كان بالقرب من المسجد قهوة شعبية (مقهى). 
هذا الاسم لم ينتشر كثيراً (على عكس «النوفرة»)، لكن وجوده في السجلات الرسمية يدلّ على أنه كان معروفاً في الأوساط الإدارية والقضائية.

• مدخلان: غرب من سوق المنجدين، شرق من سوق البازركان

للمسجد مدخلان، وهذا تصميم ذكي في موقع محاط بأسواق مزدحمة:
- المدخل الغربي:
مطلّ على «سوق المنجدين»، الذي عُرف لاحقاً بـ«شارع المصارف». المنجدون (صناع الفُرش والأثاث المنجّد) كانوا من الحرفيين المهمين في بيروت، ودكاكينهم كانت قريبة من المسجد.
- المدخل الشرقي:
مطلّ على «سوق البازركان» (تجار الأقمشة). على أعلى هذا المدخل، ثُبّتت لوحة رخامية عليها أبيات شعرية جميلة:
كنت يا جامعاً قد حويت لمنظر زاهي عجب إنشاء أمير زاكي العطاء سامي النسب أمير منذر إسمه نجمي تنوخي منتخب نسب سما أما السماء سلاطين حقاً العرب تاريخه بلغ المنى أسجد لربك وإقترب
هذه الأبيات وثيقة شعرية تمدح الأمير منذر، وتؤرخ للمسجد، وتدعو الناس للصلاة فيه. اللوحة بقيت على المدخل قرونا، شاهدة على الزمن.

• السبيل: الماء للعابرين

على المدخل الشرقي أيضاً، كان يوجد سبيل ماء. السبيل هو صنبور عام يُبنى على واجهات المساجد، يشرب منه العابرون مجاناً. بناء السبل كان من الأعمال الخيرية المحببة في الإسلام.
يُرجّح أن السبيل من إنشاء محمد باشا، أحد ولاة بيروت العثمانيين. جاء ذكره في لوحة رخامية كانت مثبتة على مدخل المئذنة، حُفظت لاحقاً داخل المسجد.
خلال حفريات أجريت أمام المدخل الشرقي، على بعد ستة أمتار من حائط المسجد، اكتُشفت «خرزة بئر»: قاعدة حجرية مفرغة من الداخل، توضع على فوهة البئر لحماية الماء من الأوساخ.
هذه الخرزة ربما كانت من آثار سبيل محمد باشا، أو من سبيل آخر أنشأه القاضي شمس الدين بن إسحق عام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين.

• القبور: حين يُدفن الأمير في مسجده

على غرار كثير من مساجد بيروت، دُفن في الجهة الشمالية الشرقية من المسجد بانيه، الأمير منذر التنوخي نفسه، إثر مقتله خلال مذبحة عام ألف وستمائة وثلاثة وثلاثين (ألف واثنين وأربعين هجرية).
في ذلك العام، دخل العثمانيون في صراع دموي مع فخر الدين المعني الثاني وأنصاره. انتهى الصراع بـهزيمة فخر الدين وإعدامه في إسطنبول. والأمير منذر، باعتباره من أبرز أنصار فخر الدين، قُتل في بيروت.
دُفن في مسجده، في قبر داخل الحرم، كما كانت العادة في ذلك الزمن. القبر كان بسيطاً، لا ضريح فخم، لكنه كان مُعلّماً بشاهد حجري.
لاحقاً، دُفن في المسجد أيضاً الأمير ملحم حيدر الشهابي (عام ألف وسبعمائة وواحد وستين) وأخوه الأمير منصور (عام ألف وسبعمائة وأربعة وسبعين). هذان الأميران كانا حاكمين على بيروت في بعض سنوات القرن الثامن عشر.
لكن هذه الأضرحة دُثرت (أُزيلت) عام ألف وثمانمائة وستين، ولم يعد لها أثر، لأنه في منتصف القرن التاسع عشر، بدأت حركة إصلاحية في العالم الإسلامي ترى أن الدفن داخل المساجد مخالف للسنة، وأن القبور يجب أن تكون في مقابر خاصة خارج المساجد.

• اختفاء النافورة: حين بُنيت المدرسة

في نفس الوقت (منتصف القرن التاسع عشر)، اختفت أيضاً بركة الماء والنافورة التي كانت تتوسطها، لأنه بُنيت فوق الصحن (وفوق قبري الأميرين الشهابيين) غرف استُخدمت كـمدرسة لتعليم أبناء المسلمين.
هذا التحوّل كان نقطة تحوّل كبرى في تاريخ المسجد والتعليم في بيروت.

• ولادة أول مدرسة نظامية

عام ألف وثمانمائة وأربعة وستون، استحصل الشيخان عبد الله خالد ومحمد الحوت من والي الإيالة على ترخيص بإنشاء مدرسة نظامية على الأساليب الحديثة. هذه كانت أول مدرسة من نوعها في بيروت آنذاك.
اختار الشيخان مسجد الأمير منذر ليكون مركزاً للمدرسة. بنيا غرفاً إضافية (على حساب الصحن والنافورة للأسف)، وأدخلا مناهج تعليم عصرية:
- العلوم الدينية: قرآن، حديث، فقه، توحيد.
- اللغة العربية: نحو، صرف، بلاغة، أدب.
- الحساب والرياضيات.
- التاريخ والجغرافيا.
- العلوم الطبيعية (بمستوى بسيط).
هذا المزيج بين الديني والعصري كان ثورياً في ذلك الوقت. معظم المدارس الإسلامية التقليدية (الكتاتيب) كانت تُدرّس فقط القرآن والعلوم الدينية. لكن مدرسة مسجد الأمير منذر أضافت العلوم الحديثة، تماشياً مع عصر التنظيمات العثمانية.

• رواد النهضة الفكرية

خرّجت المدرسة الرعيل الأول من رواد النهضة الفكرية في بيروت. من بين خريجيها:
- علماء دين أصبحوا مفتين وقضاة.
- مثقفون أصبحوا صحفيين وكتّاباً.
- تجار متعلمون أسهموا في نهضة بيروت الاقتصادية.
المدرسة استمرت عقوداً، حتى بداية القرن العشرين، حين بدأت مدارس حديثة أكبر تظهر في بيروت (مثل المدرسة السلطانية، والمدارس التبشيرية).
لكن دورها التاريخي كـأول مدرسة نظامية بقي محفوراً في ذاكرة بيروت.

• من النافورة إلى العلم

مسجد الأمير منذر عاش تحوّلات عميقة عبر أربعة قرون:
- بُني كـمسجد بنافورة في القرن السابع عشر.
- أصبح مقبرة لأمراء في القرن الثامن عشر.
- تحوّل إلى مدرسة في القرن التاسع عشر.
- عاد مسجداً بحتاً في القرن العشرين.
اليوم، النافورة اختفت، والقبور دُثرت، والمدرسة أُغلقت. لكن المسجد بقي، يصلي فيه الناس، يرتفع منه الأذان، يحفظ ذاكرة أربعة قرون.
حين تمرّ بجانبه اليوم في وسط بيروت، تذكر أن هنا كانت نافورة من رخام أبيض، وهنا كان أمير يُدفن، وهنا كان علماء يُدرّسون.
هذا المسجد يعلمنا أن المباني الدينية ليست جامدة، بل تتطور مع حاجات الناس. من الماء إلى العلم، من النافورة إلى المدرسة، رحلة واحدة في خدمة الإيمان والمعرفة.
أخبار ذات صلة