في هذا الجزء من السلسلة، نروي قصة «زاوية الدركة»، تلك الزاوية العمرية التي كانت قلب المحلة، قبلة التجار والحرفيين، ثم اختفت عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين تحت معاول التحديث، ولم يُبنَ بديل لها رغم الوعود.
• الدركة: باب القصر
قبل أن نتحدث عن الزاوية، يجب أن نفهم معنى «الدركة» ولماذا سُميت المحلة بهذا الاسم.
«الدركة» لفظ فارسي مركب من كلمتين: «دُر» بمعنى باب، و«كاه» بمعنى قصر. إذن، «دركة» تعني «باب القصر». كان هناك في العصر المملوكي أو العثماني المبكر قصر أو دار حكم قريبة من هذا الباب. ومع الزمن، اختفى القصر، لكن الاسم بقي ملتصقاً بالباب، ثم بالمحلة كلها.
«باب الدركة» كان أحد أبواب بيروت السبعة القديمة، ويُعتبر من أجمل هذه الأبواب. مؤلف من قسمين يختلف زمان أحدهما عن الآخر:
- القسم الخارجي: يعلوه برجان مربعان، قوي حصين، يعكس وظيفة دفاعية.
- القسم الداخلي: خالٍ من النقوش، لواجهته أربع نوافذ بيضاوية الشكل.
تحت قنطرة الباب، نقش بـاللغة اليونانية يقول: «أيها الداخل إفتكر بالرحمة». هذا النقش يدلّ على أن الباب ربما بُني على أنقاض باب بيزنطي أقدم، أو أن البناة العثمانيين أعادوا استخدام حجارة بيزنطية منقوشة.
• محلة الدركة: قلب التجارة والحرف
«محلة الدركة» كانت منطقة حيوية داخل بيروت القديمة. كانت قريبة من الأسواق الرئيسية، ومن الميناء، ومن باب المدينة. هذا الموقع الاستراتيجي جعلها مركز جذب للتجار والحرفيين.
تفرّعت عن محلة الدركة عدة أسواق متخصصة:
- سوق العطارين: حيث يبيع التجار البهارات والعطور والأعشاب الطبية.
- سوق النجارين: حيث يصنع النجارون الأثاث والأبواب والنوافذ.
- سوق الإسكافية: حيث يصنع الإسكافيون (صنّاع الأحذية) أحذية جلدية.
- سوق القطايف: (القطايف حلوى رمضانية).
في هذه المحلة، كانت توجد بعض المعالم والمنشآت الدينية الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى بقايا آثار تعود للعهدين الروماني والبيزنطي. بيروت كانت دائماً مدينة طبقات، كل حضارة تبني فوق الأخرى.
• زاوية الدركة: الزاوية العمرية
في قلب هذه المحلة الصاخبة، كانت تقف «زاوية الدركة»، المعروفة أيضاً بـ«الزاوية العمرية». كانت على الجهة الشرقية من شارع المعرض (لاحقاً)، تجاه «التياترو الكبير».
الوثائق تشير إلى أن الزاوية جُعلت مركزاً للصلاة منذ مطلع القرن العاشر الهجري (نهاية القرن الخامس عشر / بداية القرن السادس عشر الميلادي). هذا يعني أنها من أقدم الزوايا في بيروت، ربما معاصرة أو أقدم من زاوية الشويخ (التي أصبحت جامع المجيدية).
الزاوية كانت صغيرة، ليست جامعاً ضخماً كالجامع العمري الكبير. لكنها كانت كافية لحاجة المحلة. صلاة سريعة، وضوء، ثم عودة إلى العمل.
• المئذنة الخشبية: حين يطرق المؤذن قبل الأذان
للزاوية مئذنة خشبية مربعة، وهذا نادر (معظم المآذن حجرية). المئذنة كانت بسيطة، مكان وجود المؤذن مُغطى بـمظلة خشبية.
التفصيلة الطريفة: المؤذن، قبل أن يصعد للأذان، كان يطرق بعصاه على خشب جدار المئذنة! كي تتخذ النساء في الأبنية المجاورة الحجاب والتستر اللازمين. المئذنة كانت مرتفعة، والمؤذن حين يصعد قد يرى داخل بيوت الجيران (التي كانت أسقفها منخفضة). الطرق على الخشب كان إنذاراً مسبقاً: «سأصعد الآن، تستّروا».
هذا التفصيل الصغير يعكس حساسية اجتماعية واحترام الخصوصية كانت سائدة في المجتمع البيروتي القديم.
• آل الرفاعي: متولون على الزاوية
الوثائق تذكر أن الشيخ سعيد الرفاعي كان متولياً على الزاوية. توفي سنة ألف ومائتين واثنين وتسعين هجرية (ألف وثمانمائة وخمسة وسبعين ميلادية).
في الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة ألف وثلاثمائة وخمس هجرية (ألف وثمانمائة وثمانية وثمانين ميلادية)، حضر إلى المجلس الشرعي (المحكمة الشرعية) صالح ابن الشيخ سعيد الرفاعي ومعه مجموعة من الشهود. أخبروا بوفاة الشيخ سعيد، وأن ابن شقيقه الشيخ عبد الله وصفي عبد القادر الرفاعي قام بمصالح الزاوية منذ وفاة عمه. التمسوا إقامته متولياً رسمياً عليها.
هذا المشهد يعكس نظام التولية في بيروت العثمانية: الزوايا لم تكن تُدار من قبل الحكومة مباشرة، بل من قبل عائلات تتوارث المسؤولية. لكن التولية لم تكن تلقائية، بل تحتاج إقراراً رسمياً من المحكمة الشرعية.
• الحمام العمري وعين الماء
بالقرب من الزاوية كان يوجد الحمام العمري (حمام عام)، ذو هندسة عثمانية. وبجواره عين مياه جارية، مصدرها محلة رأس النبع.
هذه العين كانت الوحيدة في بيروت القديمة (داخل الأسوار). وجودها بالقرب من الزاوية سهّل الوضوء: المصلي يأتي، يتوضأ من ماء العين، يدخل الزاوية، يصلّي.
الماء في المدن القديمة لم يكن متوفراً بسهولة. وجود عين جارية كان نعمة. وارتباطها بزاوية جعل الزاوية مركز حياة اجتماعية ودينية.
في القرن التاسع عشر، كان إمام وشيخ الزاوية هو الشيخ حسن بن محمود بن الشيخ عبد القادر الفاخوري.
• الأوقاف: دكاكين وبيوت وإنتاج زيت
لزاوية الدركة، كسواها من زوايا بيروت، أوقاف عديدة. سجلات المحكمة الشرعية تحتوي على وثيقة تحت عنوان:
«علم بيان أوقاف وأحكار زاوية العمرية المعروفة بزاوية الدركة رصيف باب البلد باطن مدينة بيروت».
هذه الأوقاف تضمنت:
- دكاكين (محلات تجارية تُؤجَّر، ريعها يذهب للزاوية).
- بيوت (عقارات سكنية تُؤجَّر).
- إنتاج زيت (ربما معاصر زيتون موقوفة على الزاوية).
هذه الأوقاف كانت تُموّل رواتب الإمام والمؤذن، وصيانة الزاوية، والخدمات (إطعام الفقراء، تعليم القرآن).
• ألف وتسعمائة وواحد وعشرون: المعرض يولد
عام ألف وتسعمائة وواحد وعشرين، نظمت سلطة الانتداب الفرنسي «معرض بيروت» في المحلة التي كانت تُعرف بـ«الدركة». الهدف كان مزدوجاً:
1. تحسين سمعة فرنسا كسلطة منتدبة «حضارية».
2. التأكيد على قدرة الشرق على جذب رؤوس الأموال.
المعرض كان حدثاً ضخماً بمعايير ذلك الزمن: أجنحة لمختلف الصناعات، عروض تجارية، منتجات محلية ومستوردة، فعاليات ترفيهية.
{ نجاح مدوٍ:
المعرض حقق نجاحاً كبيراً. في الأسبوعين الأولين، قصده ستة آلاف وخمسمائة زائر! هذا رقم ضخم لمدينة صغيرة مثل بيروت في العشرينيات.
بسبب النجاح، مُدِّد المعرض أربعة أسابيع إضافية. وساهم في أن تستعيد بيروت ازدهارها التجاري الذي تأثر سلباً بالحرب العالمية الأولى.
{ بعد المعرض: الاسم يبقى:
بعد انتهاء المعرض، تواصل استعمال منشآته. سُلّمت لـجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، التي استخدمتها لأغراض تعليمية وخيرية.
ومع مرور الزمن، تحوّلت المحلة إلى سوق تجاري بقي يحمل اسم «المعرض». أُدخلت تحسينات عديدة: الدكاكين الخشبية تحوّلت إلى مبانٍ حجرية شبيهة بمباني شارع «الريفيولي» في فرنسا.
أصبح «شارع المعرض» واحداً من أهم وأشهر الأسواق في وسط بيروت، مقصداً للراغبين بالتسوق.
• العشرينيات: باب الدركة يُهدم
في العقد الثالث من القرن العشرين، هُدم باب الدركة ومعه كافة المنشآت والمعالم التي كانت واقعة بجانبه. كان هذا جزءاً من مشروع توسيع الشوارع وتحديث المدينة.
اختفى الباب، اختفى الاسم «الدركة»، حلّ مكانه «المعرض».
• ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعون: الزاوية تُهدم
بعد عقدين من هدم الباب، جاء دور الزاوية. عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين، هدّمت بلدية بيروت زاوية الدركة ليحتويها التخطيط الجديد.
لم يكن الهدم بسبب تضرر الزاوية أو عدم صلاحيتها. بل كان قراراً إدارياً: الزاوية في طريق خطة التطوير العمراني الحديثة.
• وعد لم يتحقق
قدمت البلدية للأوقاف الإسلامية، بدلاً من الزاوية، الأرض التي كانت توجد فيها صيدلية نجا ومطعم فلسطين، لإقامة مسجد جديد تعويضاً عن الزاوية المندثرة.
لكن ذلك لم يحصل. لا مسجد بُني، لا تعويض تحقق. الوعد بقي حبراً على ورق.
قصة زاوية الدركة هي قصة محو منظم للذاكرة. باب يُهدم، اسم يختفي، زاوية تُزال، وعد لا يتحقق.
اليوم، حين تسير في شارع المعرض، لن تجد أي أثر لـ«الدركة». لا باب، لا زاوية، لا عين ماء، لا حمام. فقط حركة تجارية لا تتوقف.
لكن الذاكرة لا تموت بالكامل. السجلات الشرعية تحفظ اسم الزاوية. الوثائق تذكر آل الرفاعي وآل الفاخوري. والمؤرخون، مثل عبد اللطيف فاخوري، يعيدون إحياء ما حاولت المعاول محوه.
زاوية الدركة اختفت، لكن قصتها تعود إلى الحياة في كل مرة نقرأ فيها عنها، في كل مرة نتذكر فيها أن «المعرض» لم يكن دائماً «معرضاً»، بل كان يوماً «الدركة»، باب القصر، حيث كان التجار يتوضأون من عين ماء جارية، ويصلّون تحت قبة صغيرة، قبل أن يعودوا إلى دكاكينهم وحرفهم.