بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 آذار 2026 12:00ص بيوت الله في بيروت: رحلة عبر قرون من الإيمان والعمارة (19)

جامع الخضر: ذاكرة بين الأسطورة والتاريخ

حجم الخط
حين كان المسافر القادم من الشمال أو الجبل يقترب من بيروت، كان أول ما يلفت ناظره قبة بيضاء ترتفع على الساحل الشرقي للمدينة. لم تكن قبة قصر أو حصن، بل كانت قبة جامع الخضر، ذلك المعلم الذي منح المنطقة كلها اسمها: «محلة الخضر».
اليوم، تُعرف المنطقة بـ«الكرنتينا»، اسم أجنبي بارد لا يحمل من روح المكان شيئاً. لكن خلف هذا الاسم الجديد، تختبئ ذاكرة قديمة عميقة: ذاكرة جامع بُني عام ألف وستمائة وواحد وستين، وقفت عنده أساطير التنين وبئر الاستشفاء، والتقى عند عتباته المسلمون والمسيحيون، ووصفته عيون الرحالة بالإعجاب والدهشة.
في هذا الجزء من السلسلة، نروي قصة جامع الخضر: مسجد يحمل اسماً مقدساً، يقف على أرض تتشابك فيها الروايات والأساطير، وتتقاطع فيه الهويات والأديان، في مشهد بيروتي لا يتكرر.
• محلة الخضر: حين كانت الكرنتينا اسماً عربياً
قبل أن نتحدث عن الجامع، يجب أن نفهم الجغرافيا الإنسانية للمنطقة.
«الكرنتينا» كانت تُعرف قديماً بـ«محلة الخضر»، نسبة إلى الجامع الذي يقف في وسطها تحت قبته البيضاء. الاسم كان عربياً أصيلاً، مرتبطاً بـشخصية الخضر الروحانية التي يُجلها المسلمون والمسيحيون على حد سواء.
في هذه المحلة، كان يقف برج حراسة يحمي ضواحي بيروت من الجهة الشرقية، عُرف بـ«برج الخضر» أو «برج أبو هدير». التسمية الثانية جاءت من ظاهرة طبيعية فريدة: ريح بحرية كانت تندفع داخل البرج فتحدث هديراً مسموعاً. هذا الهدير كان علامة يعرفها البحارة والمسافرون.
وعلى أسفل هذا البرج، في حادثة تاريخية موثقة، رسا بحارة الأسطول الروسي عام ألف وسبعمائة وثلاثة وسبعين، الذين جاءوا لطرد أحمد باشا الجزار الذي كان يُحاصر بيروت. البرج كان شاهداً على الحروب والبحارة والأساطير.
• من «الخضر» إلى «الكرنتينا»: ضريبة الوباء
التحوّل في الاسم له قصة طريفة تعكس تقاطع الحضارات في بيروت.
عام ألف وثمانمائة وأربعة وثلاثين، بنى هنري غزيل قنصل فرنسا في بيروت محجراً صحياً في المنطقة، بإيعاز من إبراهيم باشا المصري، بالاشتراك مع قناصل النمسا والدانمرك وإسبانيا واليونان.
الهدف كان الوقاية من الطاعون والأوبئة التي كانت تجتاح المدن الساحلية. كان المريض يُحجر في هذا المبنى أربعين يوماً، أي Quarantaine بالفرنسية. ومن هذه الكلمة جاءت «كرنتينا».
هكذا، بضربة واحدة من الوباء والطب الأوروبي، محي اسم عربي عمره قرون، وحلّ مكانه اسم فرنسي لا يزال قائماً حتى اليوم. لكن الجامع بقي، شاهداً على الاسم القديم الذي أصبح ذاكرة لا حاضراً.
• جدل تاريخي: هل كان كنيسة أم مسجداً منذ البداية؟
لا يوجد في سلسلتنا جامع أثار جدلاً تاريخياً أكبر من جامع الخضر. الروايات تتضارب، المصادر تتناقض، والحقيقة تختبئ خلف طبقات من الأسطورة والتاريخ.
- الرواية الأولى: كنيسة تحولت إلى مسجد:
يقول أصحاب هذه الرواية: البناء كان في الأصل كنيسة بيزنطية مكرسة للقديس جاورجيوس (مار جرجس). ثم، مع مجيء العثمانيين، تحولت إلى مسجد.
يستندون إلى أسطورة شهيرة: القديس جرجس أنقذ ابنة الحاكم الروماني من تنين مفترس أوشك أن يفترسها، فقتله وقضى عليه. وبناءً على ذلك، بنى الحاكم الروماني كنيسة في نفس المكان أطلق عليها كنيسة مار جرجس.
ويربط هؤلاء بين القديس جرجس وسيدنا الخضر، مستندين إلى تقليد شعبي واسع الانتشار في بلاد الشام يُماهي بين الشخصيتين، ويُسمي مار جرجس أحياناً بـ«خضر الأخضر».
- الرواية الثانية: مسجد منذ التأسيس:
يرفض أصحاب هذه الرواية الربط بين الخضر ومار جرجس من أساسه. حجتهم الدينية واضحة: في التقاليد الإسلامية، الخضر يقابله في التقاليد المسيحية مار إلياس، لا مار جرجس. إذن لا صلة بين الشخصيتين.
وللتدليل على موقفهم، يذكرون حادثة قضائية مثيرة: تقدم الشيخ أحمد بن الأمير أبي بكر الشهير بابن الحمراء بدعوى إلى القاضي الشرعي في طرابلس الشام لمصادرة كنيسة مار جرجس وتحويلها إلى مسجد، مدعياً أنها كانت أصلاً مقاماً للخضر ثم تحوّلت إلى كنيسة. رفض القاضي الدعوى! هذا الرفض يعني ضمنياً أن الكنيسة والمسجد كانا مبنيين منفصلين. 
• فصل النزاع
الجدل النظري بين الروايتين يحسمه شاهدان موثوقان من القرن التاسع عشر:
- الشاهد الأول: القس إدوار روبنصون (1838):
زار هذا القس البروتستاني بيروت عام ألف وثمانمائة وثمانية وثلاثين، وأورد في كتابه وصفاً دقيقاً: كنيسة مار جرجس كانت في أيامه «أطلالاً دارسة»، لم يبقَ من معالمها إلّا «بناء قرميدي قديم».
- الشاهد الثاني: القنصل هنري غيز (1847):
القنصل الفرنسي نفسه (الذي بنى المحجر الصحي لاحقاً) أكد في مذكراته أنه رأى كنيسة مار جرجس التي «يجلّها المسلمون والمسيحيون إجلالاً كبيراً»، لكنه وصف حالها بأن «الكنيسة ركت أساساتها والمغارة سد بابها بسبب الانهيارات».
- الاستنتاج المنطقي: في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كانت كنيسة مار جرجس قائمة (لكن مهجورة ومتداعية)، وجامع الخضر قائم أيضاً (ومزدهر). إذن هما مبنيان مختلفان في موقعين مختلفين، وليس مبنى واحداً تحول من كنيسة إلى مسجد.
• النابلسي: شاهد عيان على المقام عام ألف وسبعمائة
شاهد ثالث، أقدم وأوثق، يُقدم لنا الصورة الأجلى: الرحالة الشيخ عبد الغني النابلسي الذي زار بيروت عام ألف وسبعمائة.
يكتب النابلسي في «التحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية»:
«فلاحت لنا ونحن سائرون قبة عظيمة لها مقام الخضر عليه السلام. فوصلنا إليها فرأيناها من أحسن الأماكن والمقام، وهي عالية منيرة وبجانبها منارة صغيرة وأمامها بئر عليه قبة صغيرة أيضاً...».
هذا الوصف يرسم لنا صورة واضحة في عام ألف وسبعمائة: قبة كبيرة تُرى من بعيد، منارة صغيرة بجانبها، بئر أمامها تعلوها قبة صغيرة. هذا وصف مسجد قائم ومزدهر، لا أطلال كنيسة.
والنابلسي المتخصص في زيارة المقامات الدينية يصفه بـ«أحسن الأماكن والمقام»، وهو وصف يصدر من رحالة ذواق رأى عشرات المساجد والزوايا في رحلاته.
• الحقيقة الموثّقة: مسجد منذ ألف وستمائة وواحد وستين
بعد قراءة الروايات ومقارنة الشهادات، يتضح الجواب:
جامع الخضر كان مسجداً منذ تأسيسه. بناه عام ألف وستمائة وواحد وستين والي بيروت الدفتردار علي باشا الأرناؤوطي، ليكون مسجداً بجوار مدرسة الخضر. وهو يقع على عقار مساحته سبعة آلاف وسبعمائة وأربعة وعشرون متراً مربعاً (رقم 353 لمنطقة المدور).
من يقول إنه كان كنيسة، يخلط بينه وبين كنيسة مار جرجس المنفصلة عنه، التي كانت تقع في المنطقة ذاتها لكنها كانت مبنى مستقلاً آخر.
ومن يقول إنه بُني من قبل الشيخ محمد الخضر من العائلة البيروتية الخضرية، فهذه رواية تستحق الاهتمام: الشيخ محمد الخضر، أحد صالحي المسلمين المنتمي لعائلة «الخضر» البيروتية التي كانت تسكن في محيط المسجد، دُفن في المسجد نفسه، مما يدلّ على ارتباطه الوثيق به.
• الخضر والتنين: أسطورة  تسكن البئر
رغم تفنيد الرواية التي تربط الجامع بكنيسة مار جرجس، فإن أسطورة التنين لا تزال حاضرة في وجدان المنطقة. ومنطقة الخضر، بموقعها عند مصب نهر بيروت، كانت خصبة لمثل هذه الأساطير: مياه عميقة، ضباب ساحلي، أصوات غريبة من البرج في الليل.
الأثر المادي للأسطورة كان «بئر الخضر»، البئر التي وصفها النابلسي عام ألف وسبعمائة بأنها تعلوها قبة صغيرة. هذه البئر كان يقصدها الناس من مختلف الأديان والمناطق طلباً للاستشفاء والتبرك بمائها.
ظاهرة قصد المسلمين والمسيحيين لنفس المقام وثّقها القنصل غيز والرحالة لورتيه في القرن التاسع عشر: المسيحيون كانوا يأتون لإضاءة الشموع وفاءً لنذورهم، والمسلمون كانوا يُقيمون حلقات الذكر خاصة في ليلة النصف من شعبان. هذا التلاقي الروحاني جعل جامع الخضر رمزاً فريداً للتدين الشعبي المشترك في بيروت.
• العمارة: حجر سميك
 يصمد أمام الأمواج
موقع الجامع عند مصب نهر بيروت على الساحل الشرقي فرض على معماريه تحديات إنشائية خاصة: رطوبة عالية، رياح بحرية، احتمال فيضانات موسمية. الحل كان في الحجر الرملي البحري السميك، بسماكة تتجاوز المتر الواحد، مما منح الجدران قوة إنشائية استثنائية.
داخل الجامع، تتكئ العقود المتصالبة (Cross Vaults) الضخمة على أعمدة من الجرانيت والرخام، يُرجح أنها مأخوذة من بقايا هياكل رومانية وبيزنطية كانت قائمة في الموقع. هذا الاستخدام للأعمدة القديمة في بناء جديد كان ممارسة شائعة في العمارة الإسلامية المبكرة.
المئذنة تبرز بطابعها المحلي البسيط: قاعدة مربعة تتحول إلى جزء مثمن، في محاكاة لطراز المآذن الشامية القديمة. والقبة البيضاء التي كانت تُرى من بعيد كانت علامة بصرية للمسافرين القادمين إلى بيروت.
• الجامع كمحطة للمسافرين
موقع الجامع على مدخل بيروت الشرقي منحه دوراً اجتماعياً استثنائياً. من كان يصل إلى بيروت بعد إغلاق أبواب سور المدينة ليلاً، لم يكن يجد ملجأً داخل الأسوار. لكن جامع الخضر كان خارج الأسوار، مفتوحاً دائماً.
كان المسافر يجد فيه ملجأً من الليل والبرد، وطعاماً من الأوقاف المخصصة لإطعام العابرين، وعناية حتى بزوغ الفجر. الأوقاف الواسعة المحيطة بالجامع، بما فيها أراضٍ مزروعة بأشجار التوت، كانت تُموّل هذه الخدمات.
هذا الدور جعله ليس مجرد مسجد للصلاة، بل محطة إنسانية عند بوابة المدينة.
• الترميم والتصنيف: من الهد
م إلى الأثر
مرّ جامع الخضر بعدة محطات ترميمية:
- عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين: ترميم شامل للبناء.
- عام ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين: إضافة بعض الغرف.
- عام ألف وتسعمائة وتسعين: توسعة وترميم، تنظيف الحجر القديم ووصله ببناء جديد.
وفي عام ألف وتسعمائة واثنين وستين، جاء الاعتراف الرسمي بقيمته التاريخية: صُنّف مبنى أثرياً بموجب قرار صادر عن وزير التربية رقم 927/62. هذا التصنيف حمى الجامع من خطر الهدم أو التشويه في زمن التوسع العمراني العشوائي.
بجوار المسجد، أُنشئت مدرسة الخضر بإدارة جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، لتستمر رسالة التعليم التي ارتبطت بالموقع منذ أيام علي باشا.
• بوصلة بيروت عند مصب النهر
جامع الخضر ليس مجرد معلم أثري، بل هو بوصلة تاريخية تؤكد أن بيروت كانت دائماً مدينة اللقاء. عند عتبة هذا الجامع، التقى المسلم والمسيحي، التقى المسافر والمقيم، التقى التاريخ والأسطورة.
القبة البيضاء التي كانت أول ما يراه القادم من الشمال لا تزال قائمة، وإن تغيرت الأسماء وتبدلت الأزمان. «محلة الخضر» أصبحت «الكرنتينا»، لكن الجامع بقي. البئر ربما جفت، لكن الذاكرة لا تجف.
في مدينة تتسارع فيها التحوّلات وتتراكم الجراح، يقف جامع الخضر عند مصب نهر بيروت ليذكرنا أن الأصالة أقوى من الأوبئة، وأن الذاكرة أعمق من الأسماء الجديدة، وأن الإيمان أقدر من أي تنين على الصمود.
أخبار ذات صلة