يتميّز «مسجد محمد الأمين صلى الله عليه وسلم»، الذي بات يشكّل اليوم واحداً من أبرز المصنفات المعمارية الإسلامية في العالم العربي، بمواصفاته الهندسية التي تمزج بعبقرية فريدة بين الطابع المعماري العثماني العريق والروح العربية الأصيلة. إنه ليس مجرد بناء من خرسانة وحجر، بل هو تجسيد لإبداع فكر فلسفي عميق يربط بين القيم الجمالية السامية وبين العقيدة الإسلامية السمحاء، التي تتجلى في أدق تفاصيل الزخرفة وعناصر العمارة، لتقف شاهدةً على عظمة حضارة لا تندثر، وقدرة بيروت على التجدّد والشموخ.
لقد بُني الجامع في أساساته من الخرسانة المسلحة لضمان القوة والصلابة، لكنه غُلّف بـ «الحجر الأصفر الذهبي» الدافئ، وزُخرفت أطرافه بالكرانيش المتقنة والأحجار المطعمة باللون الأبيض الرخامي. أما القباب، فقد كُسيت باللون الأزرق اللازوردي الذي غدا «بصمة» بصرية للعاصمة، ورُكزت على رؤوسها وعلى قمم المآذن أجسام مكورة متعددة الطبقات تنتهي بأهلة نحاسية مطلية بماء الذهب، تلمع تحت شمس المدينة كتيجان من نور ووقار.
****
• سيمفونية الواجهات: حوار الحجر الموشى بالقرآن
تعتبر الواجهة الشرقية هي الأهم والأكثر هيبة بين واجهات المسجد؛ فهي «وجه» الصرح المطل على ساحة الشهداء، تلك الساحة التي تختصر ذاكرة الوطن. تتكون هذه الواجهة من قسمين هندسيين يفصل بينهما جسم المئذنة الشامخ:
- القسم الشمالي: يرتفع كسلسلة من خمسة عقود مدببة توحي بالسمو، ويعلو هذه العقود شريط قرآني مهيب لآيات من «سورة يس» (قلب القرآن)، يبدأ من وسط هذا القسم ويدور بوقار حول الواجهات الأربع للمسجد، ليكون القرآن هو السور الروحي الذي يحيط بالمصلين. وتتوسط هذا القسم لوحة رخامية كبرى تحمل اسم الجامع، طُعمت أحرفها بالرخام الأبيض الناصع لتبرز كعنوان عريض للإيمان.
- القسم الجنوبي: يتألف من مستطيل هندسي يتوسطه عقد يدور حوله كورنيش متقن، ويستمر فوقه الشريط القرآني، مما يمنح الواجهة استمرارية بصرية تعكس وحدة النص الروحي مع الكتلة الحجرية.
أما الواجهة الجنوبية، الممتدة بمحاذاة شارع الأمير بشير، فتتميّز بتوزيع زخرفي رصين. يتوسط قسمها الشرقي مستطيل يحتوي على زخارف هندسية معقّدة طُعمت خطوطها بالرخام الأبيض، تعلوها آية قرآنية كريمة تؤكد هوية المكان. وفي القسم الغربي، تتدلى ثلاث وحدات قياسية ضمن إطار واحد، لتشكل عنصراً جمالياً يكسر صمت الحجر ويمنح الواجهة حيوية فنية خاصة.
وبالانتقال إلى الواجهة الغربية، الممتدة بموازاة الشارع الفاصل بين الجامع وكنيسة مار جرجس المارونية، نجد تجسيداً لـ «أدب العمارة والتلاقي». تبدأ الواجهة بتشكيل من خمسة عقود متراصة ضمن إطار واحد. والعنصر البارز هنا هو «مدخل النساء»، الذي صُمم بإطار مستطيل على جوانبه عمودان يحملان عتباً يتدرج ببراعة مكوناً «قوصرة» بمقرنصات مثلثة، يدور الإطار حولها مكوناً عقداً هندسياً فريداً، مما يبرز الاهتمام بكرامة وخصوصية مداخل المصلين.
أما الواجهة الشمالية، فتطل بوقار على ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري. تتكون من قسمين يفصل بينهما جسم امتدادي للمئذنة، وتتألف من تشكيلين متداخلين من ثلاثة عقود مدببة، يتكرر على زاويتها الغربية العقد المدبب الكبير المماثل للواجهة الغربية، مما يخلق تناغماً معمارياً يربط المسجد بضريح بانيه في عناق أبدي وشاهد لا يغيب.
• القباب: سماءٌ من السيراميك واللازورد
تم استخدام نظام القباب لتغطية الفراغ الداخلي المركزي، وهو تعبير مستلهم من أرقى نماذج العمارة العثمانية يهدف إلى تخفيف ضخامة الكتلة ومنحها انسيابية روحية. ارتفعت القبة المركزية على مربع أضلاع زُينت جوانبه الشرقية والغربية باثني عشر عقداً في كل جانب، تعلوها ثلاث «قمريات» تسمح بمرور الضوء الطبيعي خافتاً نحو قلب المصلى.
ولتأكيد اتجاه القبلة، انسابت على الجوانب الجنوبية والشمالية أنصاف قباب مستديرة، أحيطت كل منها بـ 12 عموداً تشكّل دعامات قوية، وتصنع فيما بينها 11 قنطرة جمالية. هذه «الغابة من القباب» كُسيت بـ «السيراميك الأزرق» العابق بزرقة سماء بيروت وبحرها، والذي استُورد خصيصاً من إيطاليا، مما جعل القباب تبدو وكأنها قطعٌ مقتطعة من السماء ومثبتة فوق الأرض.
• المآذن: حراس التوحيد الأربعة
تشكّل مآذن المسجد تعبيراً واضحاً عن التطور التاريخي للمئذنة الإسلامية؛ فهي تبدأ بقاعدة مربعة (نموذج أموي)، ثم تنتقل عبر مثلثات مقلوبة إلى جسم مثمن الأضلاع (نموذج مملوكي)، وتنتهي بالرأس المخروطي الرشيق (نموذج عثماني).
ترتفع فوق زوايا المسجد أربع مآذن، يبلغ ارتفاع كل منها 69.5 متراً. ينقسم جسم المئذنة المثمن إلى ثلاث مراحل تتدرج في الصغر مع الارتفاع، تفصل بينهما شرفتان محمولتان على مقرنصات حجرية نُحتت بدقة، وتنتهي كل مئذنة بهلال نحاسي مطلي بالذهب يلمع كبريق الأمل في ليل العاصمة.
• سحر الداخل: المحراب، المنبر، والأنوار المشعّة
في قلب القاعة، يقع المحراب الذي يتوسط الحائط الجنوبي بشكل نصف أسطوانة تعلوها نصف قبة. زُينت جوانبه بحجر «الأزنيك» الخزفي الملون بآلوانه الزاهية وحرفيته الرفيعة، حيث شكلت المقرنصات الحجرية قلبه النابض. واختيار «خزف الأزنيك» التركي العريق يعكس الرغبة في جلب أرفع أنواع الفن الإسلامي الذي ذاع صيته عالمياً منذ القرن الخامس عشر. وبجانب المحراب، يرتفع المنبر المبتكر المصنوع من خشب الجوز الصلب، المنقوش والمزخرف بالرسوم العربية المحفورة يدوياً، حيث يصعد الخطيب عليه عبر تسع درجات ليطل بوقار على المصلين.
أما الإضاءة، فقد كان الرئيس الشهيد شديد الحرص على فخامتها؛ فاستقدم ثريات الكريستال من أوروبا وتركيا وصممها خصيصاً لهذا الصرح، لتجعل المسجد متلألئاً بأنواره المشعة، لينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نورت الإسلام وحليت مسجده، نور لله عليك في الدنيا والآخرة». وتكتمل هذه المهابة بالسجاد العجمي الفاخر ذي اللون الأحمر القادم من المملكة العربية السعودية، بسماكته المرتفعة وجودته العالية، مما أضفى سكينةً ورونقاً إضافياً على قاعة الصلاة.
• وداعٌ يليق بالرفيق
رفيق الحريري... سنذكرك كلما رفع مؤذن صوته مكبراً «لله أكبر» من هذه المآذن الأربع، وسنذكرك مع كل سجدةٍ في هذا المحراب الذي رسمتَه بقلبك قبل أن يرتفع به بنيانُك. لقد أردت لهذا الصرح أن يكون تحفةً إنسانية قبل أن يكون هندسية، فشاء لله أن يجعله لك «صدقة جارية» وتاجاً لكرامة بيروت التي كنت دائماً حريصاً على أن تظلّ مكللةً بالبهاء.
نم قرير العين يا أبا بهاء.. فلقد أودعت في قلب بيروت أمانةً لا تُبلى، ورفعت في سمائها صوتاً لا ينقطع. رحمك لله يا من أردت لهذا الصرح أن يكون منارةً للتوحيد، فشاء القدر أن يجعله مزاراً للوفاء، يضمّ في رحابه جسدك الطاهر لتنام إلى جوار أجمل ما بنت يداك.
وداعاً يا رفيق بيروت.. وسلامٌ عليك كلما صدح الأذان، وكلما تطلعت العيون نحو تلك القباب الزرقاء التي ستبقى تحكي للأجيال قصة رجلٍ بنى لربه بيتاً، فبنى له الناسُ في قلوبهم وطناً.