إن المسجد العمري الكبير ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو «كتاب معماري مفتوح» يجمع بين الطراز الرومانسكي الصليبي والإضافات المملوكية والتجديدات العثمانية، في تناغم نادر يعكس قدرة الحضارات المتعاقبة على الحوار عبر الحجر والزخرفة. يسعى هذا الجزء إلى تقديم وصف معماري دقيق لعناصر المبنى المختلفة، استناداً إلى الدراسات الأثرية والمعمارية المتخصصة.
• الهيكل المعماري: الإرث الصليبي المتين
على الرغم من كل التقلبات والتحولات التي شهدها الجامع عبر القرون، فإن بناءه الحالي لا يرقى زمنياً إلى أبعد من الحقبة التي أنشأه فيها الصليبيون (503-690هـ/1110-1291م)، ليكون كنيسة لهم على أنقاض معبد روماني. وقد احتفظ المماليك بالهيكل الأساسي عند تحويلهم الكنيسة إلى مسجد عام 690هـ/1291م، مما يجعل دراسة عمارته دراسة في التحول الوظيفي للمباني الدينية.
- المسقط الأفقي: مستطيل ذو ثلاث حنايا:
المسجد العمري الكبير على شكل مستطيل يمتد من الغرب (المدخل) إلى الشرق (القبلة)، وينتهي مبناه من الجهة الشرقية بثلاث حنايا مستديرة (apses) على الطراز الكنسي البيزنطي - الصليبي. هذه الحنايا كانت في الأصل تضم المذبح المسيحي (في الحنية الوسطى) وملحقاته الطقسية، وقد حُولت في العهد المملوكي لتصبح محاريب للصلاة، مع الحفاظ على شكلها المعماري الأساسي.
هذا التصميم يعكس «التراكم الحضاري» الذي ميز بيروت؛ فبدلاً من هدم البناء الصليبي كاملاً، احتفظ المماليك بهيكله الأساسي وأعادوا توظيفه بما يتناسب مع العبادة الإسلامية، في نموذج نادر من إعادة التدوير المعماري.
• المدخل الغربي: صالة مربعة بقبو متقاطع
بالجهة الغربية يوجد المدخل الرئيسي، الذي هو عبارة عن صالة مربعة (vestibule) مغطاة بقبو متقاطع (cross vault) محمول على أربعة عقود نصف دائرية، مرتكزة على دعائم من الحجر الرملي مُحلاة بأنصاف أعمدة (engaged columns) ملتصقة بالجدران.
- النقوش التاريخية على المدخل:
على أعلى هذه الدعائم نُقشت كتابة مملوكية بالخط الثلث، تشير إلى تجديد المسجد في عهد السلطان الأشرف خليل بن قلاوون سنة 690هـ/1291م. وإلى جانبها توجد لوحة رخامية بيضاء منحوتة بخمسة أسطر تنتهي من الأعلى بشكل مثلث (pediment)، أُرخت سنة 1067هـ/1656م، تشير إلى اسم عبد الله بن الشيخ إبراهيم الخطيب الذي أنشأ عدة غرف في المسجد ووقفها على طلاب العلم والفقراء.
هذه اللوحة تمثل نموذجاً راقياً من الخط العثماني المبكر في بيروت، حيث تجتمع فيها الدقة في النحت مع جمالية الخط العربي، وقد وثقها المستشرق السويسري ماكس فان برشم في دراساته الشهيرة عن النقوش الإسلامية.
• الأروقة الثلاثة: نظام البازيليكا المسيحية
مسقط الجامع يتكوّن من ثلاثة أروقة (three naves) موازية، على نمط البازيليكا (basilica) المسيحية التي كانت سائدة في الكنائس الأوروبية خلال العصور الوسطى.
- الرواق الأوسط: القبو الدائري:
الرواق الأوسط (الصحن الرئيسي) هو الأعرض والأعلى، مغطى بقبو دائري (barrel vault) طولي محمول على عقود مقنطرة (pointed arches)، مرتكزة على دعائم حجرية ضخمة من الحجر الرملي الأصفر المحلي.
وقد زُخرفت تيجان (capitals) هذه الدعائم بأوراق نباتية ذات زوايا حادة، تعكس التأثير الكورنثي المتأخر (late Corinthian) الذي كان شائعاً في العمارة البيزنطية والصليبية. هذه الأوراق، رغم بساطتها، تضفي على الدعائم لمسة جمالية تخفف من ثقل الحجر وصرامة الشكل.
- الرواقان الجانبيان: القبوات المتقاطعة:
الرواقان الجانبيان (side aisles) ينفصلان عن الرواق الأوسط بواسطة أربعة دعائم كبيرة على كل جانب، مغطاة بأربعة قبوات متقاطعة (cross vaults) محمولة على الدعائم والأكتاف (pilasters) التي زُينت بأنصاف أعمدة ملتصقة بالجدران.
هذا النظام المعماري يعكس الهندسة الرومانسكية الناضجة؛ حيث توزيع الأحمال الثقيلة للسقف على دعائم متعددة يضمن استقرار البناء ويسمح بفتح نوافذ علوية لإدخال الضوء الطبيعي، وهو ما كان مطلوباً في الكنائس لخلق جو روحاني مهيب.
• إضافات أحمد باشا الجزار (1183هـ/1769م): النفحة العثمانية
في عام 1183هـ/1769م، أيام حكم أحمد باشا الجزار (الوالي العثماني الشهير الذي حكم عكا وصيدا وبيروت)، شهد الجامع العمري سلسلة من التوسعات والتجديدات الكبرى التي أضفت عليه طابعاً عثمانياً مميزاً.
- الأبواب الثلاثة الشمالية:
استُحدثت على الحائط الشمالي من المسجد، لجهة صحنه الخارجي، ثلاثة أبواب جديدة:
- الباب الأول (الأوسط): معقود بعقد نصف دائري (semicircular arch)، مصنوع من الرخام الأبيض (white marble) والحجر الرملي (sandstone) مرتبة بأشكال هندسية متناوبة تُعرف بـ«الأبلق» (ablaq)، وهو أسلوب زخرفي سوري - مصري شهير يجمع بين لونين متناقضين لخلق تباين بصري جميل.
- البابان الجانبيان: لهما عتب مستقيم (lintel) وموضعان في قوصرة معقودة (relieving arch)، وهي تقنية معمارية تُستخدم لتخفيف الضغط عن العتب الحجري الأفقي.
- بركة الوضوء والقبة الشعرية:
ومن بين الإضافات الهامة التي ألحقها الجزار بالمسجد، بناء بركة ماء للوضوء في الصحن الشمالي، تعلوها قبة صغيرة محمولة على طمبور (drum) مثمن الشكل، مزود بنوافذ للتهوية والإضاءة.
وتحتوي هذه القبة على رخامة بيضاء محفورة بعناية، كُتب عليها خمسة أبيات شعرية بالخط الثلث، نظمها مفتي بيروت آنذاك الشيخ عبد اللطيف فتح الله، تمجّد فيها الوضوء وتدعو المؤمنين للطهارة. هذه الأبيات تمثل نموذجاً من «الشعر الديني المنقوش» الذي كان شائعاً في العمارة العثمانية، حيث يجتمع الأدب بالخط بالنحت في عمل فني واحد.
- السدة الخشبية المزخرفة:
أُضيفت أيضاً سدة خشبية (wooden gallery) بجوار الحائط الشمالي، كانت مخصصة للمؤذن أو لبعض المصلين. زُينت هذه السدة بزخارف هندسية ونباتية دقيقة، باستعمال الألوان الأحمر والأخضر والذهبي، على طراز الفن العثماني الباروكي المتأخر.
استُخدمت في هذه الزخارف تقنية «العجمي» (Ajami)، وهي فن دمشقي عريق يقوم على تلوين الخشب وتذهيبه بأشكال نباتية وهندسية متداخلة، تخلق إحساساً بالفخامة والبهاء.
- الرواق الشمالي الخارجي:
ألحق أيضاً بالجهة الشمالية للمسجد من الخارج رواق (portico) ينفتح على الصحن بواسطة عقود مدببة (pointed arches) محمولة على دعائم حجرية قوية، غُطيت بقبوات متقاطعة.
كما غُطي الفراغ في وسط الرواق بقبة محمولة على طمبور (drum) أسطواني، نُظمت به تسع نوافذ معقودة (arched windows) لإدخال الضوء والهواء، على الطراز العثماني الكلاسيكي.
هذا الرواق كان بمثابة «مكان انتظار واستراحة» للمصلين قبل دخولهم المسجد، وكان يُستخدم أيضاً لإقامة حلقات العلم في الأيام المعتدلة.
• المحاريب: قبلة الصلاة عبر العصور
للمسجد محرابان رئيسيان، يعكسان مراحل مختلفة من تطوره المعماري:
- المحراب الأول: المحراب المملوكي الأصلي:
يقع على الحائط القبلي (الجنوبي)، وهو بشكل قوصرة (niche) نصف دائرية غائرة في الجدار، مكسي بالكامل بالرخام الأبيض المصقول والحجر الرملي المنحوت، في تناوب جميل يُبرز المحراب عن بقية الجدار.
يكتنف المحراب من الجانبين عمودان رخاميان رشيقان بتيجان كورنثية منحوتة، يحملان عقداً نصف دائري مزخرف بزخارف نباتية محفورة بالحجر (stone carving).
وعلى يمين المحراب توجد كتابة من ثلاثة أسطر منحوتة على الرخام داخل دائرة مدهونة باللون الأسود، تتضمن آيات قرآنية أو دعاء، نُفذت بخط ثلث مملوكي رصين.
- المحراب الثاني: محراب العشرة المبشرين بالجنة:
كان هذا المحراب موجوداً في الأصل على الحائط الشمالي للجامع (وهو موضع غير تقليدي للمحراب)، وقد نُقل بعد ترميم 2004 إلى الحائط الجنوبي في مصلى النساء المستحدث، حيث القبلة الصحيحة.
اسم هذا المحراب مستمد من نقش أو تقليد شعبي يربطه بذكرى الصحابة العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم.
• المنبر: من الخشب المملوكي إلى الرخام الحديث
-المنبر الأصلي: الإرث المملوكي المفقود:
بالنسبة لمنبر المسجد الأصلي، يُرجح أنه كان معمولاً من خشب الجوز أو الأبنوس المطعم بالعاج والصدف، على نمط المنابر المملوكية الشهيرة التي تميزت بزخارفها الهندسية الدقيقة وكتاباتها الخطية الجميلة.
لكن هذا المنبر فُقد أو تهدم في مرحلة ما من تاريخ الجامع، ربما خلال الزلازل أو الحروب التي مرت بها بيروت.
- المنبر الحالي: هدية إبراهيم الغندور (1956):
أما المنبر الحالي، الذي أنشأه على نفقته الخاصة المحسن المصري إبراهيم الغندور عام 1956م، فهو تحفة فنية مصنوعة من الرخام الأبيض النقي والرخام الأخضر (green marble)، في تناوب لوني يضفي عليه رونقاً خاصاً.
زُخرف جانب من المنبر من الخارج بزخارف نباتية عثمانية (Ottoman floral motifs) محفورة بالرخام، تتضمن أشكال الزهور والأوراق المتشابكة والأرابيسك.
يُصعد إلى مقعد الخطيب بواسطة أحد عشر درجة رخامية، وقد غُطي مقعد الخطيب بقبة صغيرة محمولة على أعمدة رخامية رفيعة، تشبه «الكيوسك» (kiosk) أو المظلة الشرفية.
• المئذنة: رمز الأفق البيروتي
بُنيت المئذنة سنة 914هـ/1508م على يد الأمير شرف الدين موسى بن زين الدين مسلم، في الركن الجنوبي الغربي للمسجد. وهي ذات مسقط مربع (square base)، على الطراز المملوكي السوري الذي يختلف عن المآذن العثمانية الأسطوانية النحيلة.
تحمل المئذنة في أعلاها شرفة مربعة (square balcony) يقف عليها المؤذن للنداء، ويُصعد إليها بسلم حلزوني دائري (spiral staircase) داخل جسم المئذنة، يتم الوصول إليه من باب صغير على الجهة الغربية للمسجد.
المئذنة مبنية من الحجر الرملي الأصفر المحلي، ومزخرفة بأشرطة من النقوش الهندسية تلتف حول جسمها، مما يعكس المهارة الحرفية العالية للبنائين المحليين في بيروت في أواخر العصر المملوكي.
• «حجرة الأثر الشريف»: مقام القدسية المفقودة
عن يمين المئذنة يوجد مدخل صغير منخفض يؤدي إلى غرفة مربعة مسقوفة بقبة صغيرة محمولة على مثلثات كروية (pendentives)، معروفة باسم حجرة الأثر الشريف.
كان يُحتفظ في داخل هذه الحجرة بصندوق خشبي مطعم بالصدف والعاج، يحتوي ثلاث شعرات منسوبة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أهداها السلطان عبد المجيد الأول لمدينة بيروت سنة 1277هـ/1860م، تقديراً لولائها وإخلاصها.
لكن هذا الأثر النبوي الشريف اختفى خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، في ظروف غامضة لا تزال مجهولة حتى اليوم. وتبقى هذه الحجرة شاهداً صامتاً على قدسية مفقودة ما زال البيارتة يحنّون إليها.
• ترميم 2004: الإضافات الحديثة
بعد الحرب الأهلية، وخلال عملية الترميم الشاملة التي استمرت من 1995 إلى 2004، استُحدثت عدة إضافات حديثة تحترم الطابع التاريخي للجامع:
- مصلى النساء:
تم استحداث مصلى للنساء في الطابق العلوي، حيث كانت المحال التجارية المطلة على شارع «المعرض» سابقاً. وقد نُقل إليه محراب العشرة المبشرين بالجنة من الحائط الشمالي للجامع ووُضع في الحائط الجنوبي، في الاتجاه الصحيح للقبلة.
- السدة الجديدة:
قبالة المنبر، ارتفع درج من خشب الجوز الفاخر يحيط به سور من الخشب المنقوش أيضاً، يؤدي إلى سدة جديدة خُصصت للمؤذن أو لبعض المصلين في المناسبات الكبرى.
هذه السدة صُممت بأسلوب يحترم الطراز التقليدي، مع استخدام تقنيات حديثة في التثبيت.
الجامع العمري الكبير ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو «متحف للعمارة الحيّة».
في كل ركن من أركانه، يحكي الجامع قصة عن التراكم الحضاري الذي يميز بيروت؛ حيث لم تُمحَ حضارة لتحل محلها أخرى، بل تراكمت الطبقات فوق بعضها في تناغم معماري فريد.
إن دراسة عمارة هذا الجامع هي دراسة لـ«فلسفة البقاء»؛ فالحجر الذي بناه الصليبيون لا يزال يحمل صلاة المسلمين، والعمود الروماني الوثني يحمل اليوم سقف بيت الله، في مشهد يؤكد أن الحضارات لا تتصادم، بل تتحاور عبر الزمن.