بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 شباط 2026 12:00ص بيوت الله في بيروت: رحلة عبر قرون من الإيمان والعمارة (7)

زاوية ابن عراق: آخر الآثار المملوكية الباقية في بيروت

حجم الخط
في قلب سوق الطويلة، حيث كانت تتقاطع طرق التجارة وتلتقي أزقة المدينة القديمة، تقف قبة وحيدة شاهدة على عصر ذهبي من التصوف والعلم في بيروت. هذه القبة هي كل ما تبقى من زاوية ابن عراق، التي تمثل الأثر المملوكي الوحيد الباقي في المدينة حتى اليوم.
وليست هذه الزاوية مجرد بناء حجري، بل هي «جامعة روحية» احتضنت العلماء والمتصوفين والفقراء، وكانت محطة في رحلة عالم جليل اختار بيروت مقاماً ومدرسة، قبل أن يختم حياته مجاوراً في الأراضي المقدسة.

• الموقع: بوابة سوق الطويلة

كانت زاوية ابن عراق تقع على مدخل سوق الطويلة لجهة باب إدريس، في قلب المدينة التجارية القديمة. وهذا الموقع الاستراتيجي لم يكن عبثياً؛ فالزوايا الصوفية كانت تُبنى عادة على مداخل المدن أو في الأسواق المركزية، لتكون في متناول المسافرين والتجار والفقراء، ولتكون أيضاً منارة روحية تذكّر الناس في خضم انشغالهم بالتجارة والدنيا بالله والآخرة.
واللافت أن الزاوية كانت مقابلة لزاوية الإمام الأوزاعي في السوق نفسه، مما يشير إلى أن منطقة السوق الطويلة كانت بمثابة «حي صوفي» تتجمع فيه المؤسسات الدينية والعلمية، وتنبض بالحياة الروحية إلى جانب الحياة التجارية.

• الباني: محمد بن عراق الدمشقي (878-933هـ / 1473-1526م)

بنى هذه الزاوية محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق الدمشقي، وهو من أولاد المماليك الجراكسة الذين حكموا مصر والشام. ولد سنة 878هـ (1473م) في أسرة ذات مال عظيم، مما أتاح له حرية التفرغ للعلم والتصوف. قرأ القرآن الكريم وختمه تجويداً في صغره، واشتغل بالحساب والخط والرماية، كما يليق بشاب من أسرة مملوكية عسكرية.
توجه ابن عراق إلى بيروت في شبابه لاستيفاء إقطاع والده، فسمع برجل من الصالحين يُسمّى سيدي محمد الرايق فزاره. ودعا له الرايق وأرشده إلى ثلاثة من المشايخ الصالحين: الشيخ عفان في بيروت، والشيخ ياسر في طرابلس، والشيخ عمر المبيض في صيدا. فيسّر الله له اجتماعه بالثلاثة، وكانت تلك بداية رحلته الروحية.
ثم عاد إلى دمشق واشتغل بالفروسية واللهو، إلى أن تيسّر له من علّمه التفسير والفقه والحديث، فلزم الزهد والرياضة على يد شيخه علي بن ميمون المغربي الفاسي، أحد كبار المتصوفين المغاربة في القرن العاشر الهجري.
كان اجتماع ابن عراق بشيخه في الزاوية الحمراء التي كانت بجوار الجامع العمري الكبير في بيروت. وزارا معاً مقام الإمام الأوزاعي في جنوب بيروت، في رحلة روحية عميقة. بقي ابن عراق في بيروت خمس سنوات يتتلمذ على يد ابن ميمون، ثم ذهب إلى دمشق فترة، إلى أن أذن له شيخه بالعودة إلى بيروت والقعود فيها لتربية المريدين.
سأل ابن ميمون تلميذه عن أماكن في رؤوس الجبال صالحة للخلوة، فذكر له مجدل معوش (قرية في قضاء جزين). فهاجر إليها الشيخان سنة 917هـ (1511م) ولازماها خمسة أشهر، إلى أن توفي ابن ميمون ودُفن في تلك القرية. بقي ابن عراق في مجدل معوش ست سنوات بعد وفاة شيخه، منقطعاً للعبادة والذكر والتأليف، قبل أن يعود إلى بيروت سنة 923هـ (1517م).

• بناء الزاوية: دار للعلم ورباط للفقراء (923هـ / 1517م)

عندما عاد ابن عراق إلى بيروت سنة 923هـ/1517م، بنى داراً لعياله ورباطاً للفقراء، كما يقول الشيخ نجم الدين محمد الغزي في كتابه «الكواكب السائرة بأعيان المائة العشرة». وهذا يعني أن البناء كان مزدوج الوظيفة منذ البداية: دار للسكن لعائلته، ورباط للفقراء والمسافرين.
لكن الدار سرعان ما تحوّلت إلى مسجد ومدرسة دينية في آن واحد، عندما قصده الناس وازدحم العلماء والطلاب على زاويته. فأصبحت الزاوية «جامعة روحية» تُدرّس فيها علوم الشريعة والحقيقة، ويُتلى فيها القرآن، ويُقام فيها الذكر، ويُؤوى فيها الفقراء والغرباء.

• العمارة: قبة مملوكية بطراز شامي أصيل

لم يبقَ من زاوية ابن عراق سوى قبتها وبعض جدرانها، لكن هذه القبة تمثل تحفة معمارية نادرة. يصف المؤرخ عبد اللطيف فاخوري العمارة بدقة: الزاوية عبارة عن حجرة مربعة، سقفها قبة محمولة بواسطة أربعة عقود، استُعملت في أركانها الأربعة مثلثات كروية لتحويل المسقط المربع إلى مثمن، لتسهيل عملية التغطية بالقبة.
وهذه التقنية المعمارية - استخدام المثلثات الكروية للعبور من المربع إلى المثمن - هي ابتكار معماري عربي شامي بامتياز. كما أشار المهندس المعماري فريد شافعي، فإن «انتشار استعمال القباب وأنصافها يرجع الفضل فيه إلى العرب الشاميين، الذين ابتكروا وأنضجوا فكرة استعمال المثلثات الكروية».
- الطنبور والشبابيك:
للقبة طنبور (رقبة) مثمن الشكل بارتفاع متر ونصف المتر تقريباً. في منتصف كل ضلع من أضلاعه الثمانية يوجد شباك معقود بعقد دائري، لإدخال الضوء الطبيعي والهواء. وهذا التصميم يخلق جواً روحانياً بديعاً، حيث تتسلل أشعة الشمس من الشبابيك الثمانية لترسم أنواراً متحركة على جدران الزاوية طوال النهار.
ويُرجح المؤرخون أن «الشبابيك الموجودة في رقبة القبة يعود طرازها لما بعد عصر الولاة، وله أشباه في الفترة الأخيرة من العصر الفاطمي بالقاهرة إلى عصر المماليك»، مما يؤكد أن القبة بُنيت على أيدي صُناع وفنانين شاميين قدموا مع ابن عراق من دمشق.
- الحجرات والمقبرة:
توجد فتحة في جدار البناء الشرقي تمر منها إلى حجرتين كانتا مخصصتين لإمام الزاوية، أو لحفظ الكتب والمخطوطات. وفي الجهة القبلية الغربية من المبنى، يوجد قسم كان مدفناً لبعض أئمة الزاوية وتلامذتها، ومن بينهم الشيخ عبد الغني البنداق. ولا تزال بلاطة الضريح موجودة بين الركام.
خلف جدران الزاوية كانت توجد مقبرة صغيرة دُفن فيها بعض من كان مقيماً في الزاوية من العلماء والطلاب والفقراء. وهذا يعكس أن الزاوية لم تكن مجرد مكان للصلاة والدرس، بل كانت مجتمعاً متكاملاً له مقبرته الخاصة.
- اللوحة التركية - العربية: «تربة الشيخ محمد العراقي»:
على جدار الزاوية كانت توجد لوحة بلغتين: السطر الأول بالتركية والسطر الثاني بالعربية: «تربة قطب العارفين الشيخ محمد العراقي اللطيفة». ولفظ «تربة» في اللغة العثمانية لا يعني بالضرورة أن صاحبها مدفون فيها، بل يعني زاوية للصلاة والذكر والتدريس أقامها عالم أو متصوف. والثابت تاريخياً أن محمد بن عراق توفي في المدينة المنورة سنة 933هـ (1526م) ودُفن فيها، وليس في بيروت.
عُرفت القبة أيضاً باسم «قبة العشرة»، حسبما هو وارد في السجلات الشرعية العثمانية. ويُرجح بعض المؤرخين أن هذه التسمية مردها إلى اجتماع عشرة علماء متصوفين في مجلس ابن عراق داخل زاويته، ومن بينهم شيخه علي بن ميمون الفاسي.

• السبيل العثماني: هدية سليمان الصوباشي (935هـ / 1529م)

في سنة 935هـ (1529م)، أي بعد ثلاث سنوات من وفاة ابن عراق، شهدت الزاوية إضافة عثمانية مهمة: سبيل ماء بُني بأمر من أحد الأعيان العثمانيين المحليين. نقل المؤرخ داود كنعان سنة 1871م في جريدة «الجنان» نص اللوحة التأسيسية للسبيل، وهو نص طويل ومهم:
بسم الله الرحمن الرحيم. أنشأ هذا السبيل المبارك برسم الزاوية العمرية المعروفة بزاوية سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلّامة الشيخ عبد الرحمن الأوزاعي، نفّعنا الله ببركته. أنشأه لوجه الله تعالى أحد العمدة الشريفة من المرحوم مولانا السلطان سليم خان تغمده الله برحمته. أنشأه أضعف العباد سليمان الصوباشي والكاتب ببيروت، تقبّل الله، بإشارة الفقير إليه تعالى المستمد المدد من الشيخ الإمام العلّامة الشيخ محمد بن عراق تغمده الله برحمته ونفّعنا ببركته. بتاريخ الثامن من شهر ذي القعدة الحرام سنة 935.
هذا النص يكشف أن السبيل كان مزدوجاً: بُني برسم زاوية الإمام الأوزاعي وزاوية ابن عراق معاً. والباني هو سليمان الصوباشي، ضابط الشرطة العثماني في بيروت. وهذا يدلّ على أن الإدارة العثمانية الجديدة كانت تسعى لكسب ود أهل بيروت عبر تمويل المشاريع الخيرية. للأسف، لم يعد للسبيل من أثر، ولا كُلف أحد نفسه حفظ لوحته التاريخية.

• ابن عراق العالم: بين الشريعة والحقيقة

لم يكن محمد بن عراق مجرد متصوف منقطع للعبادة، بل كان إماماً وعالماً في علمي الحقيقة والشريعة معاً. فقد جمع بين الفقه والتصوف، في توازن نادر كان سمة الصوفية الكبار.
- مؤلفاته:
كتب ابن عراق في زاويته ببيروت عدة مؤلفات، من بينها: السفينة العراقية في التصوف والسلوك الروحي، والنفحات المكية في فضائل مكة والحج، وهداية الثقلين في فضل الحرمين، ومواهب الرحمن من كشف عورات الشيطان في محاربة البدع والمنكرات، وسفينة النجاة لمن التجأ إلى الله، وهو كتاب جاء جواباً عن مكاتبات وردت إليه وهو في بيروت من علماء يشكون ما حدث في القرن العاشر الهجري من بدع.
- منهجه التربوي: الأبيات المباركة:
كان ابن عراق يأمر أصحابه بحفظ القرآن الكريم، وكان يقول كل ليلة بعد صلاة العشاء ثلاثة أبيات لحفظ القرآن. ويبدو أن هذا التقليد استمر في بيروت حتى عهد ليس ببعيد؛ فقد ذكر المفتي الشيخ عبد الباسط الفاخوري في مخطوطته «فرائد الفوائد» (1322هـ / 1904م) أن والده الشيخ علي الفاخوري حفّظه هذه الأبيات:
كلام قديم لا يملّ سماعه
تنزّه عن قولي وفعلي وقوتي
به أشتفي من كل داء ونوره
دليل لقلبي عند جهلي وحيرتي
فيا ربّ متّعني بسرّ حروفه
ونوّر به سمعي وقلبي ومقلتي
وهذا يعني أن تقليد ابن عراق ظل حياً في بيروت لأكثر من أربعة قرون، ينتقل من جيل إلى جيل عبر السلاسل العلمية.
- من أقواله:
تناقل العلماء من دروس ابن عراق قوله المشهور:
«إني أرى الخمول نعمة وكل أحد يأباه، وأرى الظهور نقمة وكل أحد يتمناه. ألا وإن في الظهور قصم الظهور».
ونُسب إليه أيضاً دعاء جميل:
«إلهي، كلما أذنبت دعتني سابقة نعمتك إلى التوبة، وكلما تبت جذبتني أزمّة قدرتك إلى المعصية. فلا التوبة تدوم ولا المعصية تنصرف عني… فهب لي منك توبة باقية، واصرف أزمة الشهوات عني، وامح زينتها من قلبي بزينة الإيمان...».

• آخر الأئمة والحياة في الزاوية

آخر من تولى الإمامة والتدريس في زاوية ابن عراق كان الشيخ عبد الغني البنداق، الذي دُفن في الزاوية بعد وفاته. وكان نقيب الأشراف في بيروت، الشيخ عبد الرحمن النحاس، يلازم الجلوس في الزاوية ويتخذها ديواناً له، مما يدل على أن الزاوية ظلت مركزاً اجتماعياً ودينياً هاماً حتى أواخر العهد العثماني.
وقد ذكر مفتي بيروت الشيخ عبد اللطيف فتح الله في ديوانه أن الشيخ عبد الرحمن الكزبري (من علماء دمشق) زار بيروت سنة 1229هـ (1813م) وحلّ ضيفاً في بيت المفتي، الذي مدح ضيفه بقصيدة مطوّلة ذكر فيها المقامات والزوايا التي زارها الكزبري، فكان من بينها زاوية ابن عراق. وهذا يثبت أن الزاوية كانت لا تزال عامرة بالدرس والصلاة والذكر في مطلع القرن التاسع عشر.

• الحرب الأهلية: من جامعة روحية إلى «ديكور للفرجة»

لم توفر آلة الحرب المدمرة زاوية ابن عراق المباركة؛ فقد تهدّمت أركانها وتهاوت جدرانها خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وبقيت قبتها عالقة وسط الركام. وظهر بناء الزاوية وما كان فيها من أضرحة خلال إزالة ركام ما خلفته الحرب عام 1991، كما يذكر المؤرخ عبد اللطيف فاخوري، الذي كان أول من نبّه إلى أهمية تلك الزاوية والتعريف بها بعد أن ظلت منسية لعقود.
بعد الحرب، تم ترميم القبة وتأهيلها في سياق مشروع إعادة إعمار وسط بيروت. لكن الترميم، مع الأسف، كان ترميماً شكلياً؛ حيث بقيت القبة منعزلة بدون بناء حولها، وأصبحت «ديكوراً للفرجة» في أسواق بيروت الجديدة، مشرعة من الجهات الأربع يدخلها من يشاء، بدون أي لوحة تعريفية تذكر بانيها وتاريخها.
ينتقد المؤرخ عبد اللطيف فاخوري هذا الوضع قائلاً: «هذه الزاوية المباركة التي لم يبقَ منها إلّا قبّتها وبعض جدرانها أصبحت «ديكوراً» للفرجة في أسواق بيروت... بدل أن تُسيَّج وتوضع عندها لوحة تذكر بانيها وتاريخها». ويضيف: «فإذا كان القمر لم يُخلق للسهر، فإن الزاوية والمسجد لم يُبنيا للسمر».

• الدلالة التاريخية: «أقدم أثر معماري عربي في بيروت»

يخلص المؤرخ عبد اللطيف فاخوري إلى نتيجة مهمة جداً: «قبة ابن عراق [هي] أقدم أثر معماري عربي موجود في بيروت». وهذا يعني أن القبة، المؤرخة بسنة 923هـ (1517م)، هي الأثر الوحيد الباقي من العصر المملوكي في بيروت. حتى الجامع العمري الكبير، رغم أن تحويله إلى مسجد كان في العهد المملوكي، إلا أن هيكله الأساسي صليبي، بينما زاوية ابن عراق عربية - إسلامية خالصة، بُنيت على أيدي معماريين شاميين.
ويضيف فاخوري: «استعمال الحجر لبناء القباب يرجع الفضل فيه إلى الفنانين والصناع الشاميين، الذين مهروا استعمال الحجر للبناء». أي أن قبة ابن عراق ليست مجرد أثر محلي، بل هي نموذج من مدرسة معمارية شامية كان لها أثر كبير في تطور العمارة الإسلامية.

• الذاكرة التي لا تموت

زاوية ابن عراق هي قصة صعود وسقوط؛ قصة جامعة روحية احتضنت العلماء والمتصوفين والفقراء لقرون، ثم تحوّلت إلى ديكور للفرجة في أسواق حديثة لا تعرف شيئاً عن تاريخها. لكن القبة لا تزال واقفة، شامخة رغم الإهمال، صامدة رغم الحروب، شاهدة على عصر كان فيه العلم والتصوف والجهاد الروحي في قلب الحياة اليومية لأهل بيروت.
إن زيارة هذه القبة اليوم هي رحلة مؤلمة ومُلهمة في آن؛ مؤلمة لأننا نرى كيف يُهمل التراث، ومُلهمة لأننا نرى كيف يصمد الحجر أمام الزمن، ليذكّرنا بأن بيروت كانت يوماً مركزاً للعلم والتصوف، وبأن الذاكرة لا تموت طالما بقي حجر واحد يشهد على الماضي.
أخبار ذات صلة