بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 كانون الثاني 2026 12:00ص تجارة القبور وانكسار الإنسانية في محطة العبور بين الميثاق والرحيل

حجم الخط
د. تاليا عراوي*

لطالما وقف الإنسان أمام لغز الرحيل متسائلاً عن تساوي المصائر في حضرة التراب، وهو ما لخّصه أبو العتاهية حين قرع أجراس اليقظة في النفوس الغافلة عن حقيقة الفناء، مذكّراً إيانا بأن الفوارق التي نصنعها في الدنيا تذوب تماماً عند عتبة القبر حيث يقول:
نأتي إلى الدنيا ونحن سواسية... طفلُ الملوكِ كطفل الحاشية
ونغادر الدنيا ونحن كما ترى... متشابهون على قبور حافية
هذا التساوي في الرحيل يؤكد أنَّ الحياة التي نعيشها ليستْ في جوهرها إلّا رحلةً عابرةً، ومقاماً مؤقتاً في عالمٍ لم يكن يوماً مستقراً نهائياً لنا؛ فنحنُ فيها مجردُ مسافرين في محطة انتظارٍ تنتهي لتبدأ الحقيقةُ الكبرى التي وُعدنا بها.
والعقلُ المستنير والقلبُ المؤمن يدركانِ معاً أنَّ وجودنا المادي هنا ما هو إلا جولةٌ قصيرةٌ تسبقُ عودتنا الحتمية إلى أصل نشأتنا الأولى. هذه العودة ليست للمجهول، بل هي رجوعٌ إلى الحقيقة التي شهدت عليها أرواحنا في الميثاق الأول حين استنطقها الخالقُ في عالمِ الذرِّ في مشهد مهيب: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا}.

حقيقة إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

فهذه الشهادةُ الأزليةُ المطبوعة في وعي الروح تؤكد أنَّ النفسَ البشرية تعرفُ يقيناً طريقَ العودةِ لأنَّها كانت في حضرةِ القدسِ والجمال الإلهي قبل أن تدخل سجن العالم المادي المحدود، وهي الحقيقة التي يرسّخها الوحي في أعماقنا بكلمات تختصر قصة الوجود كله: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وحين يأتي الوقتُ الموقوتُ المكتوبُ في اللوح المحفوظ، تفارقُ الروحُ غلافها الطيني لتنطلق نحو أصلها الإلهي، متخففةً من أثقال المادة، بينما تستكينُ هذه الأجسادُ في سلامٍ داخل ما يمكن تسميته بمنطقة العبور البرزخية.
إنها مساحةٌ صامتةٌ من الأرض تظل فيها الأجداثُ بانتظار نداء البعث، لكنَّ هذه الفترة ليست عدماً محضاً أو فضاءً فارغاً، بل هي حالة من الوجود الروحي الكثيف. فالقبر في عدسة الميتافيزيقيا ليس مجرد حفرة، بل هو مَرْقَد كما وصفه القرآن الكريم: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}، واختيار لفظ المرقد يرسّخ فكرة الرقاد الواعي والسكينة في انتظار القيامة.
ومن هنا، يصبح اتصال الأحياء بالراحلين عبر الزيارة والدعاء فضاءً لاتصالٍ روحيٍّ هادئٍ، يُبنى على يقينٍ بأنَّ الراحلين يسمعون ويشعرون، وهو ما أكده النبي صلى االله عليه وسلم حين كان يخاطب سكان تلك الديار خطابَ المواجهة بقوله: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ.
وتتجلّى كرامةَ الإنسانِ كنورٍ لا ينطفئُ بمفارقة الروح للبدن، وقد ظهر هذا المبدأ السامي في سيرة المصطفى صلى االله عليه وسلم حين وقف إجلالاً لجنازةٍ مرّت به، وعندما قيل له إنها جنازة غير مسلم، لم ينقص ذلك من تعظيمه للنفس البشرية شيئاً بل قال: أليست نفساً؟. ولم يتوقف التشريع عند التكريم المعنوي، بل وضع حمايةً ماديةً وجسديةً صارمةً للمتوفى حين قال صلى االله عليه وسلم: كسرُ عظمِ الميتِ ككسرهِ حيّاً، ليعلّم البشرية أنَّ الجسد يظل وعاءً مكرّماً وأمانةً واجبةَ الصون والوقار حتى وهو تحت أطباق الثرى.

ولقد كرّمنا بني آدم

انطلاقاً من هذه القدسية، أُنيطت بالقائمين على المقابر مأموريةٌ مقدسةٌ تتجاوز العمل الإداري لتصبح فرض كفاية وواجباً إيمانياً يتجذر في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} وهذا التكريم هو أمانةٌ وُضعت في يد من يديرون هذه الأرض المقدّسة، فالعناية بالقبر وتفاصيله هي إحسان واجب وليس منّة.
وتاريخنا الإسلامي يزخر بصور الإتقان التي لا تفرّق بين حي وميت؛ ففي يوم دفن سعد بن معاذ رضي الله عنه، أشرف النبي صلى االله عليه وسلم بنفسه على اللحد، وأمر بسد فجوة صغيرة فيه إتماماً لهيئته، ونطق بكلمته الخالدة: (إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عملَ أحدُكم عملاً أن يُتقنَهُ)، فلقد أرسى صلى االله عليه وسلم معايير الجودة حتى في القبور، ليرسخ مبدأ أن كرامة الراحل تكمن في صون مرقده.
إلّا أننا نشهد اليوم انحرافاً مؤلماً؛ إذ تحوّلت المقابر في كثير من الأحيان إلى سوق للمزايدات، وصار صون القبر ونظافته ورفع التراب عنه رهيناً بسخاء الإكرامية، في استغلالٍ صريحٍ لحرمة الموت.
إنَّ ربط إكرام الميت بحجم البقشيش هو خروجٌ صارخٌ عن الدين، وتحويلٌ للأمانة إلى تجارة تجعل التراب غطاءً للنسيان لكل من لا يملك ثمن الإكرامية. لقد نسي القائمون على المقابر أن الصحابة كعثمان بن عفان رضي الله عنه، كانوا يجلّون هذا المقام ويبكون عنده، ويتسابقون في مواراة الغريب والفقير بذات العناية التي يحظى بها الوجيه، فليس القبر سلعةً تُباع وتُشترى.
إنَّ التمييز المادي في حرمة الموت هو انكسارٌ لرقيّنا الأخلاقي؛ فبعد أن صُمِّم القبر لتتلاشى عنده الفوارق الطبقية، أعدنا بنائها بالمال والجشع.
ورقيَّ الأمم يُقاس بكيفية تعاملها مع من لا يملكون جزاءً ولا شكوراً، والاعتناء بقبر غريب لا يعرفه أحد هو الدليل القاطع على أن المجتمع لا يزال يحتفظ ببوصلته الأخلاقية الرفيعة، فأولئك الذين يهملون عملهم ظناً منهم أن المتوفى لا يعلم، هم في حقيقة الأمر قاصرون في البصيرة؛ لأن الراقدين في محطة العبور قد كسروا حجاب الجسد الذي كان يحجبهم عن الاتصال بالأرواح والملائكة، وهم الآن أقرب إلى الحقيقة المطلقة منا، كما أنَّ تحويل منطقة العبور من ميناء للسكينة والوقار إلى مزاد للجشع يعني أننا فقدنا هيبتنا أمام الموت، وإذا كان الموت بجلاله لم يعد يزجر النفوس عن الطمع، فأي أمانٍ بقي لنا في هذه الرحلة؟
إنَّ الوفاءَ للراحلين ليس مجرد واجبٍ أخلاقي، بل هو انعكاسٌ لجوهر إيماننا بقدسية النفس التي كرّمها الخالق. وعلينا أن نتذكر أننا حين نصونُ كرامةَ مَرْقَدٍ منسي، إنما نغرسُ بذور الرحمة التي نرجو أن تظللنا غداً حين نصبح نحن خبراً من الماضي. فليكن إخلاصنا في رعاية هذه الأمانات هو الهدية التي نرسلها لأنفسنا في محطتنا القادمة، وليظل الترابُ شاهداً على رقيِّ أرواحنا، لا حجاباً يواري قصورَ أخلاقنا؛ فمن أكرمَ نفساً فارقت الدنيا، أحيا في قلبهِ إنسانيةً لا تموت.

* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان
أخبار ذات صلة