بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 تشرين الثاني 2025 12:00ص تحديث خطوات إتمام الزواج في لبنان مطلب ضروري.. أولها توزيع دفتر الحقوق والواجبات.. وثانيها إقرار جلسات التقييم النفسي للطرفين

حجم الخط
من المعلوم للجميع أن العصر الذي نعيش فيه يشهد انحرافا كبيرا في موضوع الزواج، وهو انحراف كانت بدايته الفعلية عند انتشار التشوّه الفعلي لمفهوم المرأة في فكر الرجل، وتشوّه مفهوم الرجل في فكر المرأة، حتى تلصَّصت العادات والتقاليد والمفاهيم البالية وعمّت وسيطرت وباتت الأصل، وتحوّل الأصل القرآني الراقي إلى فكر مهجور، لا يعمل بهديه إلّا من رحم الله تعالى.
وتناسى عدد كبير من الناس أن الإسلام حين عرض لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة داخل مؤسسة الزواج، قال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء}، أي أن الرجل والمرأة خــُلقوا من نفس واحدة، والأصل بينهم المساواة في الحقوق والواجبات، ولكن كلّ واحد منهم ميّزه الله تعالى بمميزات وصفات وامكانات وقدرات تمكّـنه من حسن أداء دوره في هذه الدنيا وداخل مؤسسة الزواج، وهذه المميّزات ليست أبداً من باب تفضيل جنس على جنس، أو نوع على نوع، وإنما هي من باب امتلاك كلّ جنس وكلّ نوع للقدرات التي تؤهّله لحسن لقيام بوظيفته التي كلّف بها، وبالتالي أي تضارب بالصلاحيات ستكون نتيجته فساداً وخراباً ودماراً على الزوجين وعلى المجتمع.
ولكن الحقيقة أن هذه النظرة الإسلامية الحضارية لا تأتي صدفة ولا يمكن أيضا أن نعيش رقيّها صدفة، وإنما لا بد من عمل فكري ومعرفي وتربوي واجتماعي يؤدي بنا إلى هذه النتيجة، وللأسف نحن فقدنا كل ما سبق منذ سنوات في لبنان، فشاع السائد الموروث على حساب المطلوب الديني الصحيح..؟!

إلزامية دفتر الحقوق والواجبات

أول ما نطالب به هو أن يقوم المعنيون بإعداد دفتر (أو ملف أو مستند أو أيا ما كان اسمه)، يتضمن شرحاً واضحاً لحقوق وواجبات كل طرف تجاه الطرف الآخر داخل مؤسسة الزواج، بحيث يكون كل إنسان قبل الإقدام على خطوة الزواج عارفاً لما عليه من حقوق وواجبات تجاه نفسه، وتجاه شريكه، وتجاه أسرته وأسرة الشريك، وتجاه الأولاد مستقبلا، وفيه أيضا شرح مباشر وواضح للشروط المسموح للطرفين وضعها في عقد الزواج، ما الصالح منها وما الفاسد، وما المفيد منها وما الضار، كما نبيّن لهم قواعد الاتفاق في الحياة الزوجية وكيفية التعاون في سبيل تذليل العقبات وأهميته في بناء مستقبل واعد ومشرق لهما.
والخطوة الأهم أن هذا الدفتر لا يُقدم للمقبلين على الزواج من باب (رفع العتب)، وإنما من باب ضرورة تعلّم ما فيه من خلال دورات إلزامية - وأشدّد على كلمة (إلزامية) - يلتزم الخاطب والمخطوبة بها قبل عقد القرآن لمدة معيّنة ليكونوا على علم تام بما في هذا الدفتر من معلومات قيمة، كما لا يمنع أن تكون هذه الدورات الإلزامية متضمنة لبعض الاختبارات البسيطة لمعرفة مدى تجاوب الحاضرين مع ما فيه، ومدى التفاعل الجديّ مع ما يقومون به.
وهذه الدورات التي نطالب بها لا نريدها أشبه بخطابات تقليدية جوفاء، كأن نأتي مثلا بداعية أو شيخ ليلقي كلمة نمطية عن الزواج (كما نرى للأسف في الكثير من حالات عقد القران)، ولكن نريدها دورات مدّعمة بالعلم الصحيح ومؤيدة بالأسلوب الناجح والمناسب، بحيث يتم طرح كافة الأمور من الناحية الشرعية ومن الناحية الاجتماعية ومن الناحية النفسية ومن الناحية العلمية، كما تعزز بالأرقام والاحصاءات والمستندات والدراسات الحديثة التي تراعي تغيّر أنماط العيش في عصرنا وتأخذ في اعتبارها الضغوط الحياتية التي يتعرض لها الشباب اليوم، فتسعى لتقديم ما يكون حقيقة مؤثرا مع هؤلاء الشباب.
ولا نعني أيضا بهذا الكلام أن يكون الدفتر المقصود مقتصراً على موضوع الزواج فحسب، بل أيضا أن يشتمل على الأساليب المقترحة لحلّ الخلافات الزوجية وعلى بعض من أسس فقه الطلاق، بحيث - إن استحالت الحياة الزوجية بينهما في المستقبل - يكون الطرفان على علم ودراية بكيفية إنهاء هذه الخطوة برقيّ واحترام.. وليس بجنون وإجرام..!؟

جلسات التقييم النفسي

وثاني المطلوبات التي نريدها - وبشدّة - في بلادنا، هو إقرار إلزامية جلسات التقييم النفسي للمقبلين على الزواج، ولا يقول أحد أنها صعبة التحقيق، فكما أننا مع مرور السنوات وتطوّر العلم أقررنا إلزامية الفحوصات الطبية للمقبلين على الزواج، يمكن لنا بكل بساطة أن نقرّ أيضا إلزامية التقييم النفسي لهم.
وهذا التقييم ليس من باب التشكيك، ولا من باب التعسير، ولا من باب سوء الظن بالناس كما يروّج البعض للأسف، بل هو أولا وقبل أي شيء من باب ضمان السلامة النفسية للمقبلين على الزواج ليكونوا قادرين على الزواج وعلى تأسيس أسرة صالحة، وأيضا هو من باب التعرّف على فهم الشخصية وعلى الحالة النفسية ثم محاولة تشخيص أي اضطرابات قد تشكّل تهديدا أو تعكيرا للحياة المستقبلية والسعي في علاجها إن استطعنا.
فكلنا نعلم أن بداية التعارف بين المخطوبين قد يعتريها الكثير من الشوائب، كقصر النظر في فهم الشخصيات، والضعف في حسن تقييم الواقع، وغياب القراءة الفكرية والنفسية الصحيحة للطرف الآخر، وطبعا حرص كل واحد منهما على إظهار أجمل ما فيه، مما يعني سوء بداية الحياة، وبالتالي تعريضها لأخطار كثيرة، فإن تمكّنا - من خلال جلسات التقييم النفسي - من معالجة أكبر قدر ممكن من الأخطاء فما المانع إذن..؟!
ولا نعني بكلامنا أن يكون التقييم النفسي للمقبلين على الزواج تقييما يبحث عن الأمراض النفسية فحسب، بل أن يكون أولا وقبل أي شيء بحثاً جدّياً عن مدى إمكانية تحمّل كلٍ من الطرفين لمسؤوليات الزواج من الناحية النفسية والفكرية والحياتية، كما أن نبحث جدّيا عن مدى توفر الأسس المطلوبة لبناء الحياة الزوجية، وطبعا وفق الأساليب العلمية والنفسية الحديثة التي ثبت نجاحها في اكتشاف مثل هذه الأمور.
فيمكن للمتخصصين مثلا ومن خلال اختبارات بسيطة أن يكتشفوا على سبيل المثال ما يلي:
هل نشأ أحد من الزوجين في بيئة مشوّهة لمفهوم الأسرة، فانعكس هذا الأمر على حياته الشخصية وبالتالي سيطبق على التشوّه في حياته المستقبلية..؟!
هل تربّى أحد الطرفين في بيت كثرت فيه المشاكل بين الوالدين، حتى نشأ وفي فكره خلل في مفهوم ودور الأم أو الأب داخل الأسرة..؟!
هل ترعرع أحد الطرفين ضمن أسلوب تربوي خالٍ من تحمّل المسؤولية، فغلبت على مفاصل الحياة عنده صفات الاتكالية واللامبالاة..؟!
وهكذا.. اختبارات بسيطة ولكنها تكشف لنا مدى صلاحية كل طرف في أن يكون زوجا أو زوجة.. وبالتالي مدى إمكانية أن نبني أسرا صحيحة للمستقبل..

كلمة أخيرة

أيها السادة الكرام.. إن الهجمة الشرسة التي تتعرض لها مؤسسة الزواج في بلادنا وفي مختلف البلاد تتطلب منا مواجهة غير تقليدية، فالجمعيات النسوية (تتكاثر) من حولنا وتصوّر كل زوجة أسيرة في بيت زوجها، وأنها تعاني الأمرّين من (الذكورية المفرطة) ولا بد من تحريرها، وفي المقابل تماما تزداد نزعة (التطرف الذكوري المخالف لصحيح الدين) الذي يريد كل زوج (شهرياراً) مسلّطا لسيفه على رقبة زوجته، له الأمر وله النهي وعليها فقط السمع والطاعة العمياء.
وازداد الطين بلّة كما يقال، حين تحوّل هذا الخلل المرفوض إلى مادة إعلامية دسمة، ترفع نسب المشاهدة وتجذب صنوف الإعلانات وتدرّ الأرباح، فبات موضوع (الزواج والطلاق) بمفهومه السائد الخاطئ، الحاضر الأول في وسائل الإعلام التي تستغل مواضيع أسوا استغلال وتنشر فسادها بين صفوف الناس..؟!
وبين هذه (الشرور) ضاع تطبيق العدالة والحضارة والإنسانية التي جاء بها ديننا الحنيف في موضوع الزواج، والواجب على كل واحد منا (مسؤولا كان أو من عامة الناس) أن يسعى بكل جهد لوضع الضوابط التي تعود بمسار الأسرة إلى الطريق الصحيح.
وأول واجب أن نغرس في نفوس وفكر الناس جميعا أن الزواج.. ليس معركة بين طرفين.. ولا حربا بين فئتين.. ولا مناطحة بين مخلوقين، يريد كل واحد منهما إثبات الفوقية على الآخر وفرض سلطته عليه، بل هو اندماج روحي وحياتي ونفسي وفكري ووجداني بين (إنسانيْن) لا تكتمل إنسانية أحدهما إلّا بـ(إنسانية) الآخر.

bahaasalam@yahoo.com
أخبار ذات صلة