كشفت الأيام عن واحدة من أعقد المآسي الإنسانية التي ترافقت مع حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة، حيث امتدت آلة الدمار إلى المقابر والمواقع الجنائزية، مخلّفةً دمارا واسعا في مساحات الدفن ورفات الموتى.
وتشير مصادر في وزارة الأوقاف والجهات الحقوقية بحسب تقرير نشره المركز الفلسطيني للإعلام إلى أن آلاف القبور تعرّضت للتجريف أو التخريب المباشر بفعل الدبابات والجرافات أو نتيجة القصف الجوي، فيما تُظهر صور الأقمار الصناعية وجود أضرار واسعة في ما لا يقل عن 16 مقبرة مركزية في غزة، من بينها مقابر ذات طابع تاريخي ودولي، وأخرى في مخيمات اللاجئين والمناطق السكنية المكتظة.
هذا الدمار لم يقتصر على تسوية القبور وتمزيق شواهدها، بل شمل أيضاً تحويل عدد من المقابر إلى نقاط تمركز للوحدات العسكرية الصهيونية، أو ممرات لوجستية استُخدمت خلال التوغل البري، ما أدّى إلى تشويه مساحات واسعة من مواقع الدفن وفتح طرق جديدة داخل أرض المقابر نفسها.
عمليات البحث عن أنفاق مزعومة أو عن رفات «رهائن»، وفق ما تروّج له الرواية الصهيونية ترافقها تقارير ميدانية تؤكد حفر القوات الصهيونية القبور وإخراج رفات بعض الجثامين في عدة مناطق، في انتهاكات مثبتة في تسجيلات ميدانية وتقارير حقوقية دولية.
وقد أدّى هذا الواقع إلى تآكل كبير في البنية الجنائزية للقطاع، ودفعت العائلات إلى دفن شهدائها في ساحات المدارس والحدائق العامة بسبب منع الوصول إلى المقابر أو تدميرها، فيما بقيت آلاف الجثامين تحت الأنقاض دون إمكانية انتشالها بفعل استمرار العمليات العسكرية.
جريمة تطال الأحياء والأموات
مدير عام وزارة الأوقاف بغزة، أمير أبو العمرين، أكدّ أن الاحتلال لا يزال يسيطر على ثلث المقابر في قطاع غزة؛ معتبرا أنّ ما يجري في المقابر يمثل «جريمة مركّبة تطال الأحياء والأموات معاً».وأوضح في حديث خاص لـ«المركز الفلسطيني للإعلام»، أن الاحتلال «يتعمّد ضرب الإنسانية في مقتل، ولا يتوقف عند حدود حرمة الموتى».
وبيّن أن ثلاثة مقابر مركزية باتت تحت السيطرة العسكرية الصهيونية الكاملة، فيما يُمنع الدفن في مقبرة الشهداء الأكبر في القطاع التي تزيد مساحتها على 300 دونم، منذ الأيام الأولى للحرب.
وأشار إلى أن المقابر الواقعة شرق شارع صلاح الدين تُمنع فيها عمليات الدفن كلياً، وأن الاحتلال يسيطر على معظم المقابر الرئيسة في القطاع، ما فاقم أزمة الدفن إلى حدّ غير مسبوق.
وأوضح أبو العمرين «أن مقبرة الشيخ رضوان، المغلقة منذ ثلاثة عقود، تعرّضت للقصف المباشر، وتم إخراج جثامين منها وتدمير القبور»، مضيفاً أن الأمر بات يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً ليُوارى الشهداء الثرى بكرامة.
وأوضح أن الاحتلال سرق جثثا من بعض المقابر، ومنع دفن جثامين أخرى تُركت في الطرقات حتى التهمتها الحيوانات، مشيراً إلى أن عشرات الآلاف من الشهداء ما زالوا تحت المنازل المدمرة، وأن كل عائلة فلسطينية اليوم تكاد تفقد القدرة على دفن بعض أحبّتها.
وشدّد أن الاحتلال ارتكب أفعالاً «فاشية» تستهدف حرمة الإنسان حيّا وميتا، وأن الوزارة تمتلك إحصاءات دقيقة لعشرات المقابر التي يمنع الدفن فيها بالكامل.
وتصف منظمات حقوقية المشهد بأنه انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني الذي يحمي المقابر والمواقع الدينية من أي مساس ما لم تكن هدفاً عسكرياً مباشراً، معتبرةً أن ما يجري قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب، خاصة مع تكرار عمليات التجريف وتسوية القبور، ووجود أدلة على إخراج رفات وفتح قبور بالقوة.
ومع تواصل هذا النمط من الاعتداءات، تزداد الأزمة الإنسانية تعقيداً، إذ تتآكل المساحات المخصصة للدفن، فيما تُفقد شواهد قبور، ويصعب على مئات العائلات تحديد مواقع دفن ذويها في ظل الفوضى الناتجة عن العمليات العسكرية الواسعة التي لا تزال مستمرة رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار بغزة منذ قرابة شهرين.