د. تاليا عراوي*
حين تتحوّل أقواس الضوء في شوارع بيروت إلى خنادق للصراع، وحين يُختزل عيد الميلاد في «شكل» هندسي يُتهم تارة بأنه رمضاني وتارة بأنه غير مسيحي لمجرد أن تصاميمه الحديثة والهندسية بدت لبعضهم وكأنها تحاكي الزخارف الإسلامية أو الرمضانية بدلاً من الرموز المسيحية التقليدية، ندرك أننا أمام سكرات هوية وطنية تحتضر تحت وطأة السطحية. إن هذه الجلبة لا تعكس ترفاً جمالياً، بل تكشف عن أزمة وجودية في مجتمع بات مهووساً بجماليات الفرز الطائفي على حساب الأخلاقيات الروحية الجوهرية، حيث غدا مجرد عرض ضوئي ساحة معركة لتصفية حسابات القلق الوجودي. وفي خضم هذا العبث، نرى البلديات في لبنان تتسابق في مضمار واهم لانتزاع لقب أجمل شجرة، في استعراض فارغ للقوة والجمال، بينما تئنّ الشوارع من غياب السلامة المرورية التي تحصد أرواح السائقين، ويُهمل تأمين القوت للحيوانات الشاردة، وتُداس كرامة الإنسان على أرصفة الحاجة. إن أجمل شجرة ميلاد في حقيقتها ليست تلك المرصّعة بالأضواء الباهرة، بل هي الشجرة التي تُطعم جائعاً، وتأوي مشرّداً، وتدثّر ببردها من عضّه الصقيع.
استغراق مرفوض بالمظاهر
إن هذه الأحداث الصادمة تصرخ في وجهنا بضرورة الانقلاب على قيمنا التربوية الراهنة، وإعادة صياغة الوعي لانتزاع تلك النزعة الطائفية المقيتة التي تقتات على القشور، ومن الناحية الفكرية، يمثل هذا الانكفاء تراجعاً مريعاً عما يصفه الفلاسفة بأنطولوجيا الكينونة نحو استغراق أجوف في المظهر والظلال، وهو ما أسماه الفيلسوف غاي ديبور بمجتمع الاستعراض؛ حيث تُغتال الحياة الحقيقية لتُستبدل بتمثيل صوري لها، وحيث حلّ الظهور مكان الكينونة، مما حوّل الإيمان إلى لوغو طائفي وسلعة تُعرض في واجهات السياسة.
ولا بد من الصدح بالحقيقة: إن هذه الجدران الطائفية الصمّاء ليست إلّا صروحاً سياسية مصطنعة تفتقر لأي أساس تاريخي أو روحي أصيل. فالتاريخ يروي لنا كيف احتضن النجاشي ملك الحبشة المسلمين المهاجرين، وبعد سماعه لقولهم في عيسى ومريم، رسم بعصاه خطاً رقيقاً على الأرض وقال قولته الشهيرة: «إنَّ هذا والذي جاءَ بهِ موسى وعيسى لَيخرُجُ من مِشكاةٍ واحدةٍ.. ما عدا عيسى ابن مريم مما قلتُم قَدرَ هذا الخَط»، في إشارةٍ بليغة إلى أن ما يجمعنا أعمق من أي خطٍ فاصل، كما تُعلّمنا أخلاق النبوّة الرفق بالآخر؛ فعندما أهدى نصرانيٌ للنبي # فاكهة، أكلها النبي كاملةً وحده، وعندما سُئل لِمَ لم يُشارك أصحابه كعادته، تبيّن أن الفاكهة كانت مُرّةً أو حامضة، فأراد النبي أن يتجرّع مرارتها وحده لئلا يَكسر خاطر المُهدي أو يُشعر أصحابه بنفورٍ من هديته. إن هذا الرقيّ في صون الكرامة يضرب في صميم عنجهية الأقواس والتعالي الطائفي الذي نشهده اليوم.
لقد رفع النبي # شأن المسيح عيسى عليه السلام إلى مقام الأخوة الكبرى، محطّماً جدران الانعزال بقوله في صحيح البخاري: «أنا أَوْلَى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلّاتٍ، أمّهاتهم شتّى ودينهم واحد». هذا النص النبوي ينسف من الجذور كل ادّعاء طائفي يصوّر العقيدتين كأضداد، مؤكداً أنهما غصنان في شجرة الحق الواحدة.
إن التشبّث برسمية التقاليد يتناسى أن الخامس والعشرين من ديسمبر ليس تاريخاً موثقاً بدقّة لولادة يسوع، بل هو رمز فلسفي لانتصار النور على العتمة، ولم تكن رسالة عيسى عليه السلام يوماً استعراضاً استهلاكياً، بل كانت صرخة مدوية للسلام والتواضع. والأدهى من ذلك، أننا نعيش استعراضاً اقتصادياً فاحشاً؛ فبينما تكلف اللوحة الإعلانية الواحدة في بيروت ما يزيد عن خمسة آلاف دولار (كما حدث مثلاً في حملات الترحيب بزيارة البابا) يرزح الملايين من العائلات المسيحية والإسلامية تحت نير الفقر، محرومين من أبسط مقومات الصحة والتعليم والحياة الكريمة.
الهدر المالي في الشكليات
إن هذا الهدر المالي في الشكليات يضرب في صميم الرسالة الجوهرية التي يُفترض أن تمثلها مثل هذه الزيارات أو المناسبات الروحية. إن العطاء الحقيقي يكمن في إعادة توجيه هذه الميزانيات الضخمة من الشكليات البصرية إلى العمل الإنساني الميداني الذي يصون كرامة البشر والحيوان على حد سواء. وتأتي الرؤية القرآنية لتكون الجسر الأمتن لهذه الوحدة، حيث أفرد الوحي سورة كاملة لمريم، واصفاً ميلاد المسيح بأنه رحمة ومعجزة كونية. يقول القرآن الكريم بوضوح: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}، ويؤكد كونه آية للرحمة الإلهية: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيًّا}. إن هذا التبجيل المشترك يثبت أن الآخر ليس غريباً، بل هو مرآة تعكس تجليّات الحقيقة الواحدة.
في الختام، إن الجوهر الذي يجمع الميلاد برمضان ليس مجرد تقاطع في المواعيد، بل هو وحدة الروح التي لا تقبل التجزئة؛ روحٌ ترفض أن يكون الحب طائفياً أو السلام مشروطاً.
إننا اليوم أمام خيار وجودي حاسم: إما أن تظل بصيرتنا حبيسة أصنام الضوء التي نعبد فيها ذواتنا وانقساماتنا، وإما أن نرتقي لمستوى الرسالة التي وُجدت من أجلها الأديان. فإذا استمررنا في تقديس الظلال الهندسية على حساب الحقيقة البشرية، فنحن لا نعلن فشل لبنان ككيان فحسب، بل نعلن إفلاسنا كجنس بشري عجز عن فهم أبسط بديهيات الوجود: أن الإيمان الذي لا يُطعم جائعاً ولا يصون كرامة محتاج هو دين مستعرض فَقدَ جوهره الأخلاقي. إن لبنان لا يحتاج إلى صكوك غفران تُمنح لزينةٍ مصدقة طائفياً، بل يحتاج إلى ثورة رؤية تُحررنا من ثقافة الظهور الزائفة، لنبصر النور الكامن في كينونة الآخر قبل أن تلتهمه رياح الانقسام والعدم. إن العيد في جوهره ليس احتفالاً بما نملك من بهرج، بل هو امتحان لما نحن عليه من إنسانية؛ فالحقيقة لا تسكن الشوارع المضاءة، بل تولد في تلك اللحظة التي نتوقف فيها عن تحويل الله إلى شعار، والآخر إلى عدو.
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان