د. تاليا عراوي*
في عصر يسيطر فيه وميض الشاشات وصخب برامج الواقع، لا بد من التساؤل: هل هذا الانغماس مجرد تسلية بريئة، أم هو شكل ممنهج من أشكال الضرر الاجتماعي؟ يمكن النظر إلى سيطرة الإعلام والترفيه الجماهيري على اهتمامنا من خلال منظور صادم: إنه العنف البنيوي غير المباشر والعنف الثقافي، وهما مفهومان رائدان صاغهما عالم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونغ. هذا العنف ليس اعتداءً جسدياً مباشراً، ولكنه ضرر بطيء تسببه الهياكل والمؤسسات الاجتماعية التي تمنع الأفراد من تلبية احتياجاتهم الأساسية والفكرية والروحية. يتجلّى هذا الهجوم الصامت في نظام إعلامي واسع الانتشار، يعمل على تشتيتنا، وإضعاف قيمنا، وإزاحة وقتنا بشكل مستمر، مما يؤدي إلى تآكل اجتماعي لا نكاد نشعر به.
تروّج البرامج الترفيهية، مثل «آراب آيدول»، و«ذا فويس»، و«ستار أكاديمي»، وغيرها، لسطحية ثقافية خطيرة لكونها جزءاً من صناعة الثقافة. هذه البرامج تكرّس معياراً مشوّهاً للنجاح يقوم على الشهرة والثروة اللحظية، مما يقلل بشكل ممنهج من قيمة الانضباط الفكري المستدام والجهد طويل الأمد. تعمل هذه الهياكل بفعالية على استنفاد كميات هائلة من وقت المشاهدين، مما يسبب إزاحة فكرية ويغذّي السلبية بتحويل المواطنين إلى مستهلكين للدراما والمشاهد بدلاً من أن يكونوا مبدعين فاعلين أو أعضاء منخرطين في مجتمعاتهم، مما يضعف رأس المال الاجتماعي ويحوّل الانتباه عن المساعي التنموية والأخلاقية الضرورية. هذا النموذج للنجاح الفوري، الذي يفرض تعريفاً ضيقاً ومادياً للحياة الجيدة، هو ما انتقدته النظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت)، حيث وصف أدورنو وهوركهايمر هذه الظاهرة بأنها صناعة الثقافة التي تستهدف توحيد الجماهير وتسليعها وتهدئتها لضمان خمولها الفكري. وعلاوة على ذلك، يُفسَّر هذا الاستهلاك السلبي للمحتوى، الذي يقع على حساب وقت العائلة والقراءة المتعمقة، من زاوية الفلسفة الوجودية كعمل من أعمال خداع الذات (mauvaise foi) لجان بول سارتر، حيث يتجنّب الأفراد الأسئلة الوجودية الجوهرية حول هدفهم ومسؤولية خلق الذات الأصيل عبر إبقاء أنفسهم منشغلين بشكل دائم بالمشتتات السطحية. هذا الانشغال المستمر يؤدي إلى تآكل رأس المال الاجتماعي، وهو مصدر قلق رئيسي لفلاسفة المذهب المجتمعي مثل روبرت بوتنام، الذي ركّز على تدهور الروابط العميقة والثقة اللازمة لمجتمع مزدهر.
معالجة جذرية للاستهلاك الثقافي
في المقابل، يقدم المنظور الإسلامي معالجة جذرية لهذا الاستهلاك الثقافي عبر التأكيد على قيمة الوقت، وضرورة التدبر العميق، والتحذير من خطر اتباع الأهواء. فالنظرة الإسلامية تعارض بشكل أساسي ظاهرة التشتيت الجماهيري وإهدار الساعات؛ حيث يُحاسَب المسلم على وقته، إذ أكد النبي محمد صلى االله عليه وسلم أن العبد لن تزول قدماه يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع، منها: «عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه»، وهو ما يشدّد على أن إضاعة الوقت في اللغو (العمل العبثي أو عديم الفائدة) يعدّ إهداراً للحياة نفسها، مع الإشارة إلى أن الترويح المباح يجب أن يخدم أهدافاً نبيلة. تتعارض المنهجية الإسلامية بشدّة مع السطحية الفكرية والانهماك في التفاهة إن صح التعبير، إذ كانت أول كلمة نزلت في القرآن هي «اقرأ»، وأن الغرض الأساسي من نزوله هو التدبر والتذكّر، كما ورد في الآية: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}، مما يفرض الانخراط في القراءة العميقة والتفكير النقدي. كما يحذّر القرآن من اتباع الأهواء (الرغبات غير المنضبطة والمُرضية للذات) التي تفسد العقل والقلب، وهذا الوصف ينطبق بدقة على الاستسلام للمحتوى الإعلامي الذي يغذّي الإرضاء الفوري دون تفكير نقدي.
وعلى خلفية هذا التشتيت، تبرز برامج مثل «دولة التلاوة» كقوة مضادة حاسمة، حيث تثبت قوة المحتوى الهادف وذي الجودة العالية في إعادة إشراك الجمهور، خاصة الشباب، وتحقيق المطلب الإسلامي للانخراط الهادف. ينجح هذا النهج العصري في ربط الشباب بالقرآن الكريم، مقدماً قدوات جديدة تتحدّى التركيز السطحي لبرامج تلفزيون الواقع. إن تركيز البرنامج على التلاوة المتقنة يفرض انتباهاً وتأمّلاً عميقاً من المشاهد، وهذا الابتعاد عن الاستهلاك السريع يدفع الناس نحو القراءة الجادّة (التحوّل من الاستماع السلبي إلى قراءة النص ودراسة تفسيره)، ويعمل على إعادة تعريف الجوهر، إذ تثبت «دولة التلاوة» أن المحتوى الروحي يمكن أن يحقق شعبية جماهيرية واسعة، لتعيد ترسيخ الجوهر والقيم الروحية كأولويات، وتحوّل التلاوة إلى منافسة ثقافية وفكرية ملهمة. إن جوهر الأمر يتجسّد في التناقض بين دفع العنف البنيوي نحو الاغتراب، ومطالبة الإطار الإسلامي والمبادرات الجادّة بالمسؤولية والعمق. وينعكس هذا الصراع في الملاحظة الاجتماعية التي تؤكد التناسب العكسي بين انتشار المرافق التجارية والترفيهية وتضاؤل المراكز الثقافية والتعليمية والمدنية. هذه الظاهرة الحضرية تعكس سيطرة القوى الاقتصادية التي تفضّل المردود المالي السريع على حساب المنفعة العامة والتنمية الفكرية، وهو تحوّل قيمي يميل إلى تفضيل الراحة الجسدية والترفيه الفوري على حساب الجهد الفكري والمشاركة المدنية الجادّة، مما يضعف النسيج الاجتماعي ورأس المال المدني، ويحوّل المدن تدريجياً إلى مساحات مُوجهة نحو الاستهلاك المادي بدلاً من التنمية الفكرية والأخلاقية المستدامة.
هذه المقالة تتجاوز حدود التحليل الثقافي العابر لتصل إلى نزع القناع عن العنف البنيوي (Structural Violence). فما يبدو تسلية بريئة، يكشفه المشهد الراهن على أنه ضرر ممنهج، تديره الهياكل الاجتماعية وصناعة الثقافة بهدف تجميد الوعي ومصادرة الحرية الأصيلة. هذا الاعتداء الصامت هو مصادرة لقيمنا الجوهرية: وقتنا، وعمقنا الفكري، ورأس مالنا الاجتماعي.
مواجهة معركة تشتيت الوعي
في معركة تشتيت الوعي التي تخوضها القوانين المادية للسوق، يبرز الإطار الفكري والروحي العميق، المستمدّ من المنظور الإسلامي، ليس كـترف بل كإستراتيجية نجاة حاسمة. إن التناسب العكسي بين ازدهار مراكز الاستهلاك وتضاؤل المراكز المدنية يثبت بالدليل القاطع أن العنف البنيوي ينجح في جعلنا نتبادل الروح بالسلعة، والعمق بالضجيج.
هنا يكمن السؤال الوجودي: هل سنستمر في تمويل اغترابنا بتحويل أنفسنا إلى مجرد كائنات مستهلكة، نعيش في خداع الذات؟ أم أننا سنستعيد أوقاتنا كعمل جهادي يومي، ونختار الانخراط الهادف الذي تمثله نجاحات مثل «دولة التلاوة»؟ إن المعركة الحقيقية ليست مع الشاشات، بل مع هذا العنف البنيوي الذي يُلغي مسؤوليتنا الوجودية. الخيار ليس بين الترفيه والجدّ؛ بل بين الاستسلام للسذاجة أو استعادة الجوهر. فلنرفع معيارنا الثقافي، ولنجعل كل دقيقة من حياتنا محكومة بـالغاية النبيلة، لا بـالضجيج الفارغ للشاشة.
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان