بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 شباط 2026 12:00ص ذاكرة الحواضر الإسلامية ليلة النصف من شعبان (2/2)

من أزقة بيروت إلى «حق الليلة».. العادات الشعبية في ليلة «المحيي»

حجم الخط
بعد أن أبحرنا في الجزء الأول بين أروقة التاريخ الرسمي، ننتقل الآن لنبض الشوارع؛ حيث تحوّلت ليلة النصف من شعبان في الوجدان الشعبي من مجرد شعيرة دينية إلى «مهرجان» للفرح، صهرت فيه الشعوب هويتها الثقافية. إنها الليلة التي يتحوّل فيها الجوار إلى قرابة، والطعام إلى لغة مسامحة، والضوء إلى دليل للأمل. في هذا الجزء، نستعرض «البانوراما» الاجتماعية التي صبغت هذه الليلة بألوان الفرح من المحيط إلى الخليج.

• بيروت

في بيروت، كانت لهذه الليلة نكهة صوفية فريدة، حيث سبق أن وثّقنا تفاصيلها، إذ كانت بيروت التاريخية تتحوّل في هذه الليلة إلى خلية نحل لا تهدأ.
- استنفار المساجد والزوايا: كانت دائرة الأوقاف والمؤذنون والخدم في المساجد الكبرى، يبدأون تلميع الثريات والقناديل النحاسية حتى تبرق كأنها ذهب. كانت الزوايا الصوفية، كزاوية «ابن عراق» تفتح أبوابها لسهرة «المحيي»، حيث تمتزج تلاوات القرآن بالتواشيح.
- وكان المسجد العمري الكبير في بيروت يشهد الإحتفال الديني المركزي في ولاية بيروت، زمن العثمانيين، بمشاركة مفتيها وقاضيها الشرعي ونقيب الاشراف وكبار المأمورين في دار الولاية ووجهاء القوم وكبارهم والأعيان ونقباء التجار والمهن والحرف.
- وكان لهذه المناسبة نوعاً خاصاً من الحلوى تعرف بـ«المشبك»، وإعتماد «المشبك» في هذه المناسبة، إعتقاداً بأنه يرمز إلى صلة الرحم والتكافل الإجتماعي، بسبب تداخل الأشكال الدائرية والألوان في القطعة الواحدة منه.
- زفّة القناديل: من أجمل التقاليد هي خروج الأطفال بمصابيحهم الصغيرة في تظاهرة ضوئية عفوية بين الأزقة. كان هذا الطقس يربط الأطفال بالمسجد والحي، ويخلق حالة من الألفة المجتمعية التي تسبق صخب رمضان.

• الخليج العربي

بالانتقال إلى ضفاف الخليج، نجد أن ليلة النصف تأخذ شكلاً تربوياً واجتماعياً مكثفاً يُعرف بـ«حق الليلة».
- كرنفال الأطفال: يرتدي الصغار الملابس التقليدية، ويطوفون على البيوت حاملين أكياس القماش «الخريطة».
- الأهازيج: تتردد أهزوجة «عطونا الله يعطيكم.. بيت مكة يوديكم» كدعاء متبادل. الهدف هنا هو تدشين علاقة الطفل بـ «الفريج» (الحي) وتعليمه قيمة العطاء واستقبال الضيف منذ الصغر.

• المغرب العربي

في تونس والجزائر والمغرب، تكتسي الليلة وقاراً تحت مسمّى «ليلة النسخة»، وترتبط بطقوس اجتماعية عميقة:
- شجرة الحياة والكسكسي: ترتبط الليلة بالاعتقاد الشعبي حول «تساقط أوراق الآجال»، مما جعلها ليلة للصلح الجماعي. تجتمع العائلات حول قصعة «الكسكسي» الضخمة، وتُوزع الصدقات عن أرواح الراحلين (الصدقة البيضاء)، في رسالة وفاء للأجداد.
- الأفراح والخطوبة: يفضّل الكثيرون في دول المغرب العربي عقد «الملاك» أو الخطوبة في هذه الليلة تبرّكاً بنورها.

• مصر والشام

في مصر وسوريا والأردن وفلسطين، تتوحّد المائدة خلف «سيميولوجيا البياض»:
- الأرز بلبن والمهلبية: فلسفة اختيار اللون الأبيض تكمن في التفاؤل بأن يكون العام القادم «أبيض» النقاوة. وفي دمشق تحديداً، تُعدّ «الشاكرية» (اللحم باللبن) سيدة المائدة.
- يوم المسامحة: كانت العائلات تتبادل «الأطباق البيضاء» كإشارة إلى تصفية القلوب. فإذا كان هناك خصام، كانت ليلة النصف هي «المحكمة الشعبية» للصلح؛ فمن يرفض طبق جاره في هذه الليلة يُعد «محروماً» من بركة رمضان.

• تركيا والأناضول

في تركيا، تسمّى الليلة «براءة كانديلي» (Beraat Kandili)، ولها طقوس بصرية مميّزة:
- سميد القناديل: يُصنع نوع خاص من المخبوزات يسمّى «Kandil Simidi»، يُهدى في الشوارع كرمز للتآخي.
- فن «المحيا»: طقس عثماني حيث تُربط أسلاك المصابيح بين المآذن لتكتب عبارات دينية وأدعية في السماء، لتتحول القبة السماوية إلى لوحة من الضوء يراها الجميع.
بعيداً عن الضوء، تحمل ليلة النصف «وظيفة نفسية» هائلة؛ فهي تعمل كـ «فاصل زمني» بين ضجيج الحياة والسكون الرمضاني. إنها الليلة التي يُسمح فيها للجميع بالاعتذار وتجاوز الأخطاء تحت غطاء «الدين والتراث»، مما حافظ على تماسك النسيج المجتمعي في الحواضر الإسلامية لقرون.
أخبار ذات صلة