بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 شباط 2026 12:30ص رمضانيات.. الصيام مدرسة للإنسان القرآني

حجم الخط
بقلم الشيخ محمد إمام (*)

في خضم ضجيج الحياة وصخب الحركة اليومية وتكيف الإنسان مع نمطية تعاقب الليل والنهار، اقتضت حكمة الله تعالى تلوين الحياة بمواسم إيمانية لها دلالاتها وتأثيراتها العميقة ، التي تتجاوز الفعل الظاهري للإنسان ، لتعيد تجديد وتعديل البُعد النفسي والقلبي وتنطلق من أعماقه في توجيه سلوكه الظاهري، وإيقاظ مشاعره وعواطفه الوجدانية التي تتماهى مع الأصول الإيمانيّة والجذور التاريخية لهذه المواسم .
ويأتي شهر رمضان المبارك في مقدمة تلك النفحات الربانية لارتباطه بالقرآن الكريم كلام الخالق سبحانه ، الذي يعد بالنسبة إلى المسلم الهدية الإلهية الأثمن لبني الإنسان والقيمة العلوية الأقدس عند كل مسلم ومسلمة .
من هنا يختزن شهر رمضان الكريم في وجدان المسلم ثوابت من الجذور وفيوضات من المشاعر وزمناً موسمياً استثنائياً يشده إلى الأصالة والمنطلق، ويتجلى تجديداً لإيمانه وينعكس تصويباً لسلوكه ويتيح له مساحة صفاء للتأمل والسكينة والهدوء وسط تسارع الحياة وعرامة الضجيج وطغيان الضوضاء .
لذلك كان الصوم هو العبادة الملائمة لتحقيق تلك الحكم الجزيلة والمضي إلى حيازة هذه الأهداف الأساسية .
فمن ناحية النعمة الأسمى وهو القرآن الكريم ، يأتي صيام الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم فعل شكر الله على هذه النعمة الجليلة ، وهو ما أشارت إليه آيات الصيام من سورة البقرة : «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولتكملوا العدة، ولتكبروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون».
ومن ناحية تقويم السلوك وسمو الأخلاق والهدوء وابتداء الفعل والسيطرة على ردات الفعل نستذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم :«فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ( أي لا يتكلم بذيء الكلام ) ولا يصخب (أي لا يصرخ ويرتفع صوته ) ، فإن سابّه أحد (أي استفزه بالسباب ليرد عليه بالمثل) أو شاتمه (أي استدرجه بالشتم ليشاركه فيه) فليقل إني صائم إني صائم»، وهذا الحديث الجليل يدل بوضوح أن الصائم لا يصدر عنه التصرف السيّىء ابتداءً، وكذلك لا يقابل التصرف السيّىء بمثله ، ولا ينجر إليه ، ويبقى الصائم هادئاً متحكماً في ردات فعله .
وهذا عين ما وجّه إليه القرآن الكريم وأمر به ، حيث يقول سبحانه : «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن» ، وقال تعالى:«وقولوا للناس حسناً»، وقال عزّ وجل:«قل إن الله لا يأمر بالفحشاء»، وقال تعالى:«والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس». وقال تعالى: «فمن عفا وأصلح فأجره على الله»، وقال تعالى:«وليعفوا وليصفحوا» وقال لنبيه صلّى الله عليه وسلم : «وإنك لعلى خلق عظيم» وقال له :«ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك».
وهنا نصل إلى ذلك الرابط المحكم بين نزول القرآن وصيام رمضان ، وهو أن القرآن ليس كتاباً للتلاوة والتبرُّك فقط، بل هو منهج حياة وكتاب لصياغة الإنسان في إيمانه وسلوكه، وما اختيار الشهر الذي نزل فيه القرآن ليكون هو فترة الصوم، إلا لأن الصوم هو مدرسة تدريبية لصوغ الإنسان القرآني ، وهو وسيلة تطبيقية عملية لمنهج القرآن الكريم وتوجيهاته.
ومع موسم رمضان،هنيئاً للرابحين الذين تخرّجوا من مدرسته وترجموا بصومهم تعاليم قرآنهم .