بيروت - لبنان

اخر الأخبار

28 آذار 2025 12:10ص رمضانيات: سنَّة وشيعة تحت مظلة رمضان

حجم الخط
تبرز القيمة في شهر رمضان عبر مستويات متعددة، سواءٌ ما يختص منها بالفرد أو ما يتصل بالجماعة، ولعل القيمة الأسمى تتمثل في تحمل المسؤوليات كأفراد وكيانات حيال ما يتصل بأوطاننا واجتماعنا الإسلامي والإنساني، وكأمة أرادها الله تعالى أن تكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر...
وفي إطار تحمل المسؤولية أمام الأمة يبرز الدور الملقى على عواتق الجميع، وخصوصاً العلماء، والأدلاّء على الدين في تعاليمه وشرائعه، ليكونوا في طليعة العاملين على حماية الاجتماع الإسلامي وتعزيزه، وأول طريق لهذه الحماية يتمثل في الدعوة إلى الوحدة والعمل لها، والوقوف بوجه الداعين إلى الفرقة والتمزق سواء على المستوى المذهبي أو العرقي أو ما إلى ذلك.
ونحن هنا لا نعني المذهبية الثقافية، لأن الاختلاف هنا قد يحمل كل عناوين الغنى الثقافي والمعرفي والديني، ويفسح في المجال لإطلاق حوار واسع بعيداً عن كل التعقيدات السياسية والعصبية وما إلى ذلك، وبالتالي فإن المسألة هنا تدخل في نطاق اللقاء الذي ينفتح فيه كل فريق على الفريق الآخر ليستمع إلى وجهة نظره فيخالفه باحترام وضمن القواعد ليستكملا معاً مسيرة الحوار، أو ليتفق معه فيتشاركا المسير نحو ما يغذي كل عناصر العمل المشترك التي تصب في نهاية المطاف عند المصلحة العامة للمسلمين مهما تنوعت أطرهم واتسعت طرقهم...
وعلى هذا الأساس نرى أن المسؤولية في العمل للوحدة على المستوى الإسلامي ينبغي أن تكون الدافع للتعاون والتحاور والتكامل بين المفكرين والمجتهدين في أعمالهم الثقافية والفقهية وفي السعي إلى تقريب المضمون الإسلامي في الوجدان العام، والتركيز على المقاصد والأولويات التي يغدو العمل لها تضييقاً للفجوة بين المختلفين داخل الواقع الإسلامي.
وعندما نمعن النظر فيما يصيب أمتنا العربية والإسلامية في هذه المرحلة، وخصوصاً في فلسطين ولبنان، وبقية البلدان التي تعيش حالة من التمزق، تارةً من خلال الضغوط والتدخلات الخارجية، وأخرى من خلال الصراعات الداخلية، فإننا نعتقد أن من أوجب الواجبات العمل لتعطيل الضغط الخارجي الساعي إلى تشتيت ساحتنا وتمزيقها وتقسيمها لنكون ـ على كثرتنا وتنوعنا ومع كل إمكانياتنا ـ غثاء كغثاء السيل «ولتتداعى علينا الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها». 
وبالتالي فلا سبيل أمامنا في ظل تراكم التحديات إلا أن نجتمع سنة وشيعة في لقاءاتنا الوحدوية الكبرى، وفي المؤتمرات، وفي مجتمعاتنا كلها، لننزع فتيل الفتنة التي يُشعلها الآخرون، وتلك التي تنطلق من خلال تضافر عناصر التخلف وتآلف عناصر الجهل وتراكم كل هذه الأمور والتعقيدات التي صنعها أولئك الذين يبحثون عن كل ما في التاريخ من سلبيات، ولا يتطلعون إلى الإيجابيات الكبرى في تاريخنا الإسلامي والإنساني.
وإن أفضل السبل لنجاح الحوار هو أن ينطلق من الأرض، وأن يكون واقعياً وأن يكون هدفه تحقيق التقارب الذي يبدأ بفهم الآخر لأنني أزعم أننا في كثير مما نتقاتل عليه نجهل بعضنا بعضاً، ولكن عندما يكون الإحساس بالمسؤولية الإسلامية عالياً فإننا سوف نلتقي في منتصف الطريق وعلى أساس الكلمة السواء التي تبعدنا عن التعصب الحاقد والأعمى الذي يمثل المرض الذي يجتاح حياتنا الثقافية والفكرية والميدانية وقد روي عن رسول الله(ص)، أنه قال: «مَن تَعَصَّبَ أو تُعُصِّبَ لَهُ فقَد خَلَعَ رِبْقَ الإيمانِ مِن عُنُقِهِ».
وأنني هنا وفي هذه الأجواء الرمضانية العابقة بروح التعبّد والمسؤولية أمام الله أضم صوتي إلى صوت فضيلة الإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب فيما قاله قبل أيام بأن «الأمة الإسلامية حالياً في أشد الحاجة إلى الوحدة في القوة، والرأي لمجابهة تحديات العصر والانتصار على أعداء الأمة..».
وقوله: «... إن الاختلاف بيننا وبين إخواننا الشيعة اختلاف فكر ورأي وليست فرقة دين»، ودليل ذلك ما ورد عن النبي(ص) في حديثه المعجز الذي استشرف فيه المستقبل فحذرنا من مخاطر الانقسام التي قد تنبني على ذلك حين قال: «دبَّ اليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد والبغضاء»... ثم قال: وهي الحالقة، ولكن حالقة الدين»... ثم فسّر قائلاً: «والَّذي نفسي بيدِه، لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أفلا أنبِّئكم بما يثبت ذلك لكم؟ أفشوا السّلام بينكم».
إن هذه الكلمات تشير إلى وعي إسلامي عميق، وإلى إحساس بالمسؤولية كبير حيال واقع الأمة وما يتهددها من خلال تخطيط الآخرين، وكذلك من خلال ما يكمن في داخلها من عناصر الخلاف الذي يتغذى على عصبية تأتي من هنا وجاهلية تأتي من هناك، فتكون الفتنة التي يفرح لها كل من يريد شراً ببلداننا وأمتنا.
إنني أرى أن الانتماء للإسلام يضعنا أمام المسؤولية الكبرى في السعي لتعزيز وحدتنا وتفعيل كل العناصر التي من شأنها أن تنهض بهذه الوحدة فتتجسد في الواقع ولا تبقى مجرد كلمات ودعوات ومؤتمرات على أهمية ذلك كله.. وإن مسؤوليتنا في شهر رمضان أن نعمل للوحدة الإسلامية لتكون منهج حياة يدفعنا إلى البحث عن كل المشتركات لكي نعزّزها ونعمل لها، ليكون شهر الله هو شهر الوحدة بكل عناوينها وتلاوينها، حتى نعذر أمام الله تعالى في أننا عشنا معاني هذا الشهر في تحسس مسؤولياتنا العامة في كل ما يتصل بقضايا الأمة كما نحاول أن نتحسسها في قضايانا الشخصية، ولتكن هذه الفرصة الذهبية في شهر رمضان انطلاقة حقيقية للتقارب الفعلي والتحابب والتآلف بدلاً من التباغض والتحاقد الذي أكل الأخضر واليابس فينا وكاد أن يأكل إحساسنا بالحياة.
أخبار ذات صلة