بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 آذار 2025 12:00ص رمضان شهر من ذهب

حجم الخط
الحمد للّه الذي خلق لنا من النعم ما لا نحصيه عدّاً، وأرسل النبي محمداً صلى االله عليه وسلم، وجعل القرآن الكريم نوراً يهتدي به المؤمنون، وجعل حفظه والعمل به فوزاً ونجاحاً في الدنيا والآخرة. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أفضل معلّم ومربٍّ وقائد، وعلى آله وصحبه الكرام أجمعين..

الشهر المنتظَر

الحمد للّه الذي جعل في ديننا رمضانَ ننتظره كلّ عام..
الحمد للّه الذي جعل في إسلامنا رمضانَ يؤنس الوحيد ويجبر الكسير..
الحمد للّه الذي جعل لنا رمضانَ تُغفر فيه الذنوب وتُصفد فيه الشياطين وتتنزّل البركات والرحمات فيه وبه ومنه..
الحمد للّه الذي جعل لنا رمضان.. طريقاً مختصراً إلى الجنة..
رمضانَ.. تهون به البلوى وتتجدّد فيه العزيمة..
رمضانَ.. يزيد به اليقين ويقوى به الإيمان وتتآلف به الأرواح وتتهذّب النفوس..
فرمضانُ فرحة المؤمن وملاذه.. ورمضانُ المناسبة الأحبّ إلى قلوبنا.. ورمضانُ زهد وتزوّد واستزادة.. فهنيئاً لباكٍ بدمعةِ خشيةٍ في سجدةٍ في جوف ليل.. هنيئاً لمن اغتنم سوق الجنة!

التّباذل والجُود

ففي رمضان تتفق الأسر على فعل عادات كريمة طيبة، وإن لم يجرِ اتفاق لفظي بينها، تنظيم جداول اغتنام وقت الكبير والصغير، اجتماع على السحور، دعاء وتهجد، همم تزداد في الطاعة، قراءة قرآن، حضور مجالس العلم، مساعدة الغير، تجهيز للإفطار، اجتماع على مائدة الكرم، تراويح وأذكار... ولو نظرت شعرت بأنه عقد مرصّع بأنفس الأعمال يصاغ بنيّات طيبة بإذن االله.

الصّبر والأذان

وفي رمضان تتحمّل الجوع والعطش والحر والبرد والعمل وأداء الطاعات والاستيقاظ ليلًا للتهجد والسحور، وغير ذلك من الأعمال التي يعينك االله على أدائها ويوفّقك... تمرُّ أيام رمضان ولياليه وأنت محاط بنعم لا تحصيها، وبركات تظهر فيه لا في غيره. سعادة حقيقية حسّية ومعنوية، سببها قدوم شهر، فسبحان من يسّر لنا ذلك، ووفقنا إلى الخير وأعاننا.
االله أكبر االله أكبر... هي تكبيرات تثلج الصدر، تدعو إلى الإفطار والصلاة، وما أحيلى ساعة الإفطار!... أنس ودعاء، يذهب الظمأ وتبتل العروق ونسأل ثبات الأجر، صوتُ كبير يدعو بالخير والبركة، وصوتُ صغير يحمد االله فرِحًا بإتمام صومه، ثم صف مرصوص لأداء الصلاة مع الخشوع والتوكل والرضا. ما أحلى رمضان! يذهب العابدون إلى المساجد ليلاً لأداء صلاة التراويح، هناك حيث تصفو النفوس وتملأ القلوب سكينة، تضاء الليالي بخشوع في الركعات والسجدات، ترفع الأكفّ للسماء سائلة الرحمة والغفران، تتلى آيات القرءان بتدبّر، ينعم المسلمون بطيب المناجاة ولذّة العبادة وراحة التراويح.

البركة والحبّ

أيدٍ تجهّز وتحضّر، أيادٍ تبذل وتقدّم، أيادٍ تستقبل وترحّب، بركة ومشاركة، خير وعطاء، شكر ووفاء. أب وأم، أخ وأخت، زوج وزوجة، جار وجارة، صديق وصديقة... رباط الحب يجمعهم في شهر الحب في االله، على التفتن بأنواع الخير والبر لنيل صنوف الثواب والأجر.
اشكر من أسدى لك معروفاً وانظر من حولك كم من أيادٍ بذلت فقدّرها. تصدّق ولو بشق تمرة أو بكلمة طيبة فها هو رمضان الخير، لا يقتصر العطاء فيه على المال والطعام بل يشمل أيضاً الكلمة الطيبة والدعاء للغير والتذكير بالإحسان، أدخل السرور إلى قلب أخيك تجد السرور في قلبك، وتذكّر أنك لولا تلك الأيدي لكنت أنت من ستقوم بكل المهمّات وحدك وربما عجزت أو تقاعست. تسابق مع المسرعين نحو الخير وكن في ركب الشاكرين الحافظين.

مسابقة الخير

منذ ابتداء شهر رجب نسمع الدعاء: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلّغنا رمضان. ها قد بلغنا رمضان، ولو تتبعنا سيرة الصالحين في استقبال رمضان لوجدناهم يتخذون منه زاداً عظيماً، فمن ابتدائه يعزمون على ختم المصحف، ومساعدة المحتاجين، وصلة الأرحام، يرجون الرحمة والبركة، وفي أوسطه ويكثرون من التهليل والتسبيح والاستغفار يرجون المغفرة، وفي آخره يقومون الليل ويعتكفون في المساجد يلتمسون ليلة القدر، يرجون العتق من النار.
رمضان يؤسس في المؤمن عادات طيبة، يرجو أن تبقى معه كل العام، وأن تصير العبرة قرينة قلبه في كل حال.
رمضان يجدّد في الصائم الذكريات للزمن الجميل مع الأنل والأصدقاء والأحباب، فما أحلاها ذكرى!
الحمد للّه على هذه النعمة العظيمة التي تتجدّد لنا كل عام لتجدد فينا عادات نفيسة.

شهر البركات

رمضان بركة في أيامه ولياليه، الصيام واجب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وبغروب الشمس لم ينته رمضان، بل بركته باقية إلى آخر ليلة منه. لذلك لا تتقاعس عن الطاعات بعد الإفطار، بل انوِ به التقوّي على طاعة االله، فشدّ عزيمتك وعزيمة أهل بيتك لأداء الصلاة جماعة ثم التراويح والوتر وقراءة القرآن والدعاء والذكر والسحور وغيرها من القرب، وتذكّر أنك ربما أدركت ليلة هي أفضل من ألف شهر وتزوّدت بزاد عظيم فيها ونلت البركة والمغفرة.
اجعل رمضان موعداً لك لملء كتابك بما يسرّك يوم القيامة، شهراً تعمل فيه من الطاعات ما لا تفعله في غيره من الشهور ولا تتخذه فرصة للنوم أو السهر الذي لا خير فيه أو التلذذ بكثير مأكل ومشرب.
والحمد للّه أولاً وآخراً، وصلى االله وسلّم على نبينا الهادي عليه الصلاة والسلام.

 الشيخ د. علي أيوب
أخبار ذات صلة