بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 آذار 2026 12:05ص رمضان.. ميقاتُ الأرواح وفطرةُ الصيام

حجم الخط
مع إطلالة هذا الشهر الكريم، لا يُطل علينا الزمان بمجرد هلالٍ يزين كبد السماء، بل تشرق شمسُ فرصةٍ كبرى لإعادة صياغة الكيان الإنساني من جديد، فهو (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ). إن رمضان في ماهيته ليس مجرد «محطة استراحة» في قطار العمر، بل هو «معراجُ ترقٍّ» يسلكه المؤمن ليتحلل من كدر الأثقال الطينية، ويحلق في ملكوت الطهر والسكينة، مستبشراً بنفحات ربه، فقد صح في الخبر: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين».
وإننا إذ نكتب هذه الكلمات، فإنما نخاطب بها الرأي العام اللبناني والإسلامي، لنستنهض في النفوس وعياً يواكب قدسية الزمان وعظم المسؤولية.
أولاً: في رِحاب الملائكة.. مدارج التقوى واستقلال الروح
إن الغاية الكبرى التي لأجلها شُرع هذا الموسم هي بناء «جدار التقوى» في النفس البشرية، كما قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). فحين يكبح الصائم جماح شهوتي البطن والفرج، فإنه لا يمارس حرماناً مادياً قسرياً، بل يعلن «استقلال الروح» عن عبودية الغريزة؛ ليتشبه في انضباطه بالملائكة الأبرار، الذين وصفهم الحق بقوله: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).
ثانياً: الصيام عن المفسدات.. أخلاق المجتمع وحرب الجشع
إن مفهوم الصيام لا يقف عند حدود الإمساك عن الطعام والشراب، بل يتعداه إلى «الصيام عن المفسدات» التي تنخر في جسد المجتمع وتؤذي كرامة الإنسان. وهنا نؤكد أن من أوجب الواجبات في هذا الشهر الصيام عن الآفات الاجتماعية التي أرهقت كاهل الناس؛ فلا صيام لمن يحتكر قوتاً، ولا تقوى لمن يرفع الأسعار بطريقة جشعة تستغل حاجة الفقير وتستنزف جيوب المساكين. إن الجشع في رمضان ليس مجرد مخالفة قانونية، بل هو خيانة لروح التكافل الإسلامي، وطعنة في خاصرة المجتمع الذي يعاني أزمات متلاحقة.
ثالثاً: «لصوص الأنفاس».. تحذير النذير من شِباك الضياع
إن لرمضان «حرمةً» وقُدسية، يتربص بها لصوصٌ محترفون يسرقون منكم «أغلى ما تملكون»: الوقت والخشوع. فالحذر الحذر من هؤلاء:
• لصوص الشاشات والسمر: تلك المسلسلات والبرامج الهزيلة التي صُنعت بذكاء لتفريغ الشهر من محتواه الإيماني.
• لص الأسواق وهدر المال: انشغالٌ بجمع الفاني، وإسرافٌ لا مبرِّر له تحت ستار «الاحتفاء».
• سجن المطبخ: ونخص بالذكر نساءنا الصابرات، حيث يقضين جلّ النهار في إعداد أطباقٍ قد ينتهي كثير منها في سلال المهملات.
• كبير اللصوص (وسائل التواصل الاجتماعي): ذاك الغول الرقمي الذي يبتلع الدقائق والساعات؛ فالبدار البدار، فإنما هي (أَيَّامًا مَّعدُودَاتٍ) لا تقبل التبديد.
رابعاً: قضيتنا الكبرى.. فلسطين بوصلة الصيام والقيام
ولا يكتمل إيماننا ولا يصح صومنا إن غفلنا عن جرح الأمة النازف في فلسطين. إن نصرة فلسطين واجب شرعي وأخلاقي وقومي في كل النواحي والميادين. فسلامٌ على غزة العزة وما تقاسيه من عدوان وبرد وجوع، وسلامٌ على الأقصى المبارك وما يتعرض له من تدنيس، وسلامٌ على الضفة الأبية وهي تواجه محاولات القضم والتهجير من قبل الصهاينة الأعداء، أرذل الناس وأقساهم قلوباً. إن صيامنا يجب أن يثمر وقوفاً حقيقياً مع أهلنا هناك، بالدعاء والموقف والمدد، فلا معنى لراحة النفس ونحن نرى إخواننا يذودون عن مقدسات الأمة بدمائهم وأرواحهم.
خامساً: تآلف القلوب واستقامة الشأن
في هذا الشهر، تلين القلوب وتتصافح الأرواح، فتقاربنا في الجوع يدفعنا للتقارب في المودة. إننا من قلب هذه المنطقة الأبية، نتقدم إلى الرأي العام اللبناني والإسلامي بأسمى آيات التهنئة، سائلين المولى أن يجعل هذا الشهر تحريراً للنفس، وإصلاحاً للشأن العام، وتعزيزاً لقيم العدل والتضامن، ليكون وطناً يسوده القانون وتُصان فيه كرامات الناس، بعيداً عن الاستغلال والظلم.
ختاماً، تذكروا قول النبي: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة»، فاجعلوا صومكم صوناً، وقيامكم قياماً للحق وتثبيتاً للتقوى، ونصرةً للمظلومين في كل مكان.
وفقني الله وإياكم لما فيه صلاح البلاد والعباد.

الشيخ الدكتور بكر الرفاعي
* مفتي محافظة بعلبك الهرمل